Ads Ads Ads Ads

النص الحواري – تحليل نص ‘الحكاية رقم (62)’ لنجيب محفوظ – درس النصوص – اللغة العربية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :   النص الحواري – تحليل نص ‘الحكاية رقم (62)’ لنجيب محفوظ

سياق النص

أخطاء الحياة الفادحة التي لا يتسنى لها أن تعرف طريقها إلى العلن والتصحيح والتكفير تظل عبئا ثقيلا يرهق الإنسان الحي، حتى إذا أشرف على الرحيل قتله الندم، وعاودته الرغبة في العودة إلى المسار الصحيح، لكن غالبا ما يكون الأوان متأخرا، والتكفير شاقا أو متعدرا. تلك بعض من آفات الحياة التي امتلأت بها المجموعة القصصية لنجيب محفوظ ” حكايات حارتنا ” التي تضم ثمانية وسبعين حكاية تصور مجتمع القاهرة بكل تفاعلاته وتناقضاته. إنها مرآة لنماذج بشرية صادفها نجيب محفوظ في حياته، ويحكي قصتها بكل واقعية وشفافية ترصد الواقع كما هو، فتعري تفاصيله للمتلقي تعرية تروم تشخيص الداء ليسهل علاجه.

ملاحظة النص

إذا أمعنا النظر في العنوان ألقيناه مركبا من لفظ ورقم، يحيل اللفظ على جنس النص بكل ما يختزنه من عوالم سردية، ويحيل الرقم على ترتيب الحكاية داخل المجموعة القصصية، مما يعني أننا أمام قصة قصيرة. وبالنظر إلى المقطع السردي القصير في بداية النص الحواري يتضح أن موضوع الحكاية اجتماعي يصور واقع شخصية ثرية صالحة، لكن صلاحها له سر لا يعرفه أحد، تكشف عنه في نهاية حياتها علها تتخلص من عبئه، لكنها تجني عقوقا ونكرانا، وترحل معها الجريرة تفسد عليها طمانينة الرحيل، وهو ما يفصح عنه آخر ملفوظ في النص.

فهم النص

يتمفصل النص إلى عدد من الوحدات السردية الاتية:

  • تقديم السارد بورتريه للشخصية الرئيسية للنص، قسماته الاساسية ثروة وطيبة وصلاح وعطف على الفقراء والأقرباء، وخاصة آل مهران الذين جنحوا إلى الجريمة والعنف بسبب عوزهم.
  • استدعاء الحاج علي ولده الأكبر لإخباره بكابوس ينغص عليه اللحظات الأخيرة من حياته.
  • الحوار الذي دار بين الأب والابن مبتدئا بمحادثة فيها ود وبر، ومنتهيا بصدمة الابن لحقيقة والده ومصدر الثروة التي نعموا بها في عيش رغيد.
  • موقف الابن من اعتراف الأب سلبي يحمل الأب مسؤولية خطئه ويرفض تصحيح الوضع لما قد يترتب عنه من ضياع حياة الاسرة وتدمير سمعتها.
  • نهاية الحوار بموت الحاج علي الخلفاوي موتا مشكوكا فيه بسبب الرجة التي خلفها اعترافه، والتي أثارت رغبةكبيرة لدى ابنه في التعجيل بدفن سر أبيه معه.
  • نهاية القصة طبيعية بالنظر إلى واقع المجتمع العربي المتردي، وهي مفتوحة على آفاق تأويلية متعددة لاحتمالات موضوعية وفنية يدخل ضمنها رواة الحكاية وتعليق السارد وقناعات القارئ وافتراضات القراءة.

تحليل النص

النص حوار بين طرفين يكشف عن توتر العلاقة بين الحاج علي الخلفاوي وابنه الأكبر مند أن كشف الأب عن فحوى الحلم \ الكابوس الذي يقض مضجعه، ويجثم على صدره، وهو حوار يصنع ماهية الشخصية وصفاتها الأصلية، ويستثمره الكاتب في التكثيف الإيحائي للحدث ولمواقف الشخصيتين وأحاسيسهما في شكل تواصل يقوم على تبادل البث والاستقبال، ونسج أنماط من العلاقة الآخدة في التوتر، وهي علاقة بدأت في النص إيجابية وانتهت سلبية، وأفرزت الكثير من الأنانية والعدوانية من قبل الابن، كما عكست العديد من القيم والمقاصد التي يتعين الانتباه إليها في تغيير مسارات الأمور، وتصحيح انحرافات الشحصية. وطالما أن الحوار في النص مبني على حدث الاعتراف “الصدمة” ورد الفعل المخيب فقد بني بشكل واسع على تبادل الإرسال والتلقي القصير، وتوظيف الجمل الاستجوابية المشحونة بالنفس الانفعالي الحاد المتأرجح بين القلق والندم والاختناق من جهة، والحنق والتجاهل والإنكار من جهة أخرى، والمستثمرة لأساليب الخبر والاستفهام والنفي والاضراب باستعمالاتها المتعددة المباشرة والمنزاحة إلى دلالات سياقية تمثل ذلك الفيض الانفعالي المتناقض بين رغبتي التطهير والخوف من العار؛ ولأن الحوار في هذا النص السردي أسلوب يسمح بتدفق فعل الشخصية في الزمان والمكان تدفقا حيا فقد تخللته مقاطع سردية قصيرة سمحت باختزاله، وطوت بعض مراحل البوح والاعتراف في جمل إخبارية مقتضبة تولى فيها السارد اختصار حوار ثنائي الأبعاد يفترض أنه حمل قصة ثراء العائلة كلها وعلاقتها بخراب آل مهران، وما قد يكون تخلل ذاك الحوار المسكوت عنه من مواقف وأفعال وردود بما فيه من توسل وضراعة وجفاء واحتقار، وهذه المقاطع السردية والوصفية اضطلعت بوظائف متعددة، لعل أهمها تأثيث فضاء الحوار، وتحديد ملامح الشخصيات ووصف حركاتها وتعيين مواقفها، وتحريك الحدث والإيهام بواقعيته، وترتيب أجواء الصراع، وصناعة الحبكة.

ساهم الحوار في النص في تمثيل مواقف الشخصيات المتحاورة عبر تحقيق جملة من الوظائف أهمها الوظيفة التواصلية التي تسعف في تصوير الصراع الذي دار بين شخصيتين: الأولى تريد تصحيح خطئها، والثانية تصر على حماية موقعها ولو اقتضى الأمر دفع الأب إلى الجحيم، كما تسعف في الكشف عن أنماط التفكير والتصرف إزاء المواقف الحرجة واللحظات التي تخلق الأزمة، وتعالج فيها الخطيئة بالخطيئة بناء على حسابات واقعية نفعية، وفي رسم صورة واضحة للشخصيات المتحاورة في أبعادها الحسية والاجتماعية والنفسية التي لا تشد عن أفقها المألوف والواقعي مما يمنح القصة حيوية وإثارة.

يتمحور الحوار في النص حول موضوع الخطيئة والندم والعقاب المرتبط بها في حياة مبنية على أساس هش ينذر بلعنة تحرق الحرث والنسل. وقد عرض الكاتب هذا الموضوع في إطار درامي متشابك ساهم في بلورة أبعاده فضاء الحوار غير المحدد، وزمانه الذي لم يلتفت إليه الكاتب سوى أنه مرتبط بإحساس الشخصية الرئيسية بدنو أجلها في حكاية تنتمي إلى الماضى وتستمر على لسان أهل الحارة في الحاضر،فلا نعرف فيه ليلا ولا نهارا، ولا يوما ولا شهرا مما يتلاءم بشكل عضوي مع تضخيم الإحساس المهيمن على الشخصيتين في النص، ويسمح بانبثاق فضاء مفتوح ومغلق في نفس الوقت، حميمي وعدائي معا، ينطلق من سرير الحاج علي الخلفاوي في غرفة شاسعة في دور من أدوار بيت كبير إلى مكان ما في الماضي والمستقبل، ويضيق الخناق على الشخصية هو والزمن الحرج المنذر بالرحيل. وهكذا يكتسي الزمن والمكان دلالات نفسية دراماتيكية يحاول أحد أطراف الحوار فتحهما ويصر الثاني على إحكام إغلاقهما بكل المصاريع، ولكل منهما منطلقاته وأهدافه، والحسم للأقوى والأيفع والأكثر قدرة على المكر وسرعة في الحركة.

لكل من الشخصيتين المتحاورتين في النص سمات مرتبطة بالوظائف والدوافع التي تحركها، وهي سمات تختزل حركاتها وطريقتها في التعبير عن مواقفها ورغباتها وأحاسيسها، ويعكس المعجم المستثمر في النص هذه السمات المتنافرة والمتقاطعة أحيانا، فبين معجم القيم الإيجابية التي مثلتها وظيفة الحاج علي الخلفاوي كرجل موسوم بالصلاح والطيبوبة والكرم ورعاية المحتاجين، ووظيفة ولده الذي بدا قبل الاعتراف ودودا عطوفا متواصلا إيجابيا مع والده، ومعجم القيم السلبية التي مثلها ماضي الحاج علي الخلفاوي وموقف الابن من الاعتراف، ورد فعله تجاه الأزمة، وأفعال شخصيات عابرة موسومة بالقبح والانحراف، ينبثق معجم الحالات النفسية المتوترة للشخصيتين المتحاورتين المعبر عن وعيهما الخاص، ولا وعيهما أيضا، وتقديرهما للحدث \الأزمة، وعواقبه المختلفة عند كل منهما بما يعلن عن الهوة العميقة التي أصبحت تفصل بينهما على مستوى التفكير والرغبة والإحساس. هذا التنوع في الحقول المعجمية الناجم عن تغير الأدوار والوضائف يخلق ثراء دلاليا يلامس كنه الطبيعة البشرية غير المستقرة.

تركيب وتقويم

يسعى الحوار في النص إلى سبر أغوار الشخصيتين في أبعادهما الإنسانية لحفزهما على البوح برؤاهما وتصوراتهما، بوحا يلامس شروخا عميقة في نفسية الإنسان المتلبس بالخطيئة، المدرك بشكل من الأشكال لجوهره الضعيف وتركيبته غير السوية، المصر على العناد والأنانية والتماطل والعقوق والجزع حفاظا على وضع يصعب التضحية به، ويستحيل معه الرجوع إلى الوراء، وتعاملا مع الواقع بنوع من السلوك وشكل من التصرف يختزل التصحيح في طي الصفحة وكنس الخطر، وتحميل السلف مسؤولية أفعال الخلف في أوضاع هشة تتفشى فيها القيم الرديئة، وتندر قيم البطولة والتضحية.

وقد عرض النص هذه الصورة في حدث شديد الاختزال، وشخصية تصدعت هويتها وغرقت واقعها واختارت مصيرها، وزمن نفسي مزدوج الأبعاد يختلط فيه الحنق بالتوسل والرحمة بالغلظة، وسارد متكلم عالم بخبايا الحكاية وأوضاع القوى الفاعلة، ولغة مباشرة تتوزع بين الإخبار والإنشاء الممسوسين بعبارات دافئة حينا وموجعة آخر، ومعجم يذهل المتلقي بما يفجره من تشويق وإثارة.

النص الحواري – مدخل مفاهيمي – درس النصوص – اللغة العربية – جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :  النص الحواري – مدخل مفاهيمي

مفهوم النص الحواري

هُو نوعٌ من أنواعِ النصوص الأدبية التي تحتوي على حوارٍ بين شخصين، أو أكثر، والهدف منه توصيل فكرةٍ ما إلى الشخص الذي يقرأ النص الحواري، وأيضاً يعرفُ النص الحواري بأنه وسيلةٌ من الوسائل المستخدمة في توضيح موضوعٍ ما بالاعتماد على وجود حوارٍ ينقلُ الأفكار المرتبطة بالموضوع بأسلوبٍ واضحٍ.

عادةً تستخدم هذه الأنواع من النصوص في المحاضرات الدراسية، والتي ترتبطُ بتعليم لغةٍ جديدةٍ، أو الدورات التدريبية التي تعتمدُ على مهارات التواصل، والحوار بين الأفراد، وأيضاً يستخدمُ النص الحواري في مسودات النصوص المسرحية، والسينمائية التي يتدربُ عليها الممثلون، أو أثناء إعداد نصوص الحوارات الخاصة باللقاأتِ التلفزيونية، والصحفية.

خصائص النص الحواري

يتميزُ النص الحواري بمجموعةٍ من الخصائص، وهي:

  • يحتوي على حوارٍ واضحٍ، ويشمله تفاعلٌ بين شخصيات الحوار.
  • يبدأُ النصُ الحواري باسم المحاور الأول، ومن ثمّ أسماء باقي المشاركين في نص الحوار.
  • يعتمدُ أسلوب النص الحواري على تبادلِ الأسئلة، والإجابات حول الموضوع الرئيسي للنص.
  • لكُلِ فقرةٍ حواريةٍ في النص الحواري فكرةٌ فرعيةٌ خاصةٌ بها، ومرتبط مع الفكرة الرئيسية للحوار.
  • قد يضمنُ النص الحواري دلالاتٍ لفظيةٍ حول أداء المشاركين في الحوار، وعادةً تستخدمُ هذه الدلالات من أجل توضيح المواقف المرتبطة بالانفعالات التي تظهرُ على تصرفات الشخصيات أثناء الحوار، مثل: الابتسامة، أو الحزن، أو غيرها.
  • يلتزمُ بقواعد اللغة المكتوبة بها التزاماً دقيقاً، حتى يتمكنَ من توصيل الفكرة الخاصة به للقُراء، أو المشاهدين بطريقةٍ مفهومة، وواضحة.

أنواع النص الحواري

تصنفُ النصوص الحوارية بناءً على الأنواع التالية:

النص الحواري الكامل

هو من أكثر أنواع النصوص الحواريّة استخداماً، ويطلق عليه اسم نصٍ كاملٍ؛ لأنهُ يحتوي على كافةِ العناصر الأساسية للحوار، والنقاش القائم بين المتحاورين، وأيضاً يتضمن قضيةً واحدةً تتم مناقشتها في كافة الحوارات المُتبادلة، ولا يتم الخروج عنها مطلقاً، أو التطرق لقضيةٍ غيرها، ويستخدمُ عادةً هذا النوع من النصوص في مختلفِ المجالات الحوارية.

النص الحواري الناقص

هو من أنواع النصوص الحواريّة التي يُعتبرُ نصها ناقصاً، أي يحتوي على موضوعٍ عامٍ للنص، ولكنّه لا يحتوي على حوارٍ كاملٍ، وأغلب أفكاره ناقصةٌ، وغير كاملة وتحتاجُ أحياناً لقراءة الفقرات، أو الحوارات الأخرى داخل النص حتى يتمكّنَ القارئ من فهمِ الأفكار الناقصة في الفقرات الحوارية، ويستخدمُ هذا النوع من النصوص الحوارية في التدريبات الدراسية التي تعتمدُ على إكمالِ الحوار بين المُتحاورين، وفي بعضِ أنواع الرّوايات الأدبية.

النص الحواري المُباشر

هو النص الحواري الذي يرتبطُ بالحوارات التي تحدثُ بشكلٍ مُباشرٍ، وعادةً يطبق هذا النوع من الحوارات في الإذاعات، والقنوات التلفزيونية، ويعتمدُ على مشاركةِ ضيفٍ في الحوار الذي يديره المذيع، ويحتوي هذا النوع من النصوص الحواريّة على العديدِ من الأسئلة التي يرتّبها المذيعُ مسبقاً من أجل طرحها على الضيف ليحصلَ على إجاباتٍ، أو تفسيراتٍ لها.

النص الوصفي – تحليل نص ‘باب المدينة’ ليوسف القعيد – درس النصوص – اللغة العربية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :  النص الوصفي – تحليل نص ‘باب المدينة’ ليوسف القعيد

سياق النص

كثيرا ما تحبل الأماكن والأزمنة بمآس ومواقف عصيبة تخلق أجيالا من المعذبين، فتكون حكاياتهم مرتعا خصبا لأعمال الروائيين والقصاصين، وقد عرفت بداية السبعيينيات من القرن الماضي تحولات وصراعات أدخلت المجتمع العربي في ثورات وانتكاسات سرقت من الناس آمالهم في السلم والأمن والشبع، وملأت أيامهم خوفا وجوعا وقمعا وسجونا واضطرابا، وفي مثل هذه الظروف ليس من وسيلة لتفريغ الهم وتصدير البوح وتعرية الظلم أفضل من وصف الظلام الذي يرين على المكان، ويكتنف واقع الشخصية، ويصبغ الزمن بطابع القتامة. ذلك ما يحاول يوسف القعيد تصويره في قصته القصيرة “باب المدينة” المأخوذة من مجموعته ” قصص من بلاد الفقراء” التي ترصد جروحا غائرة في روح مصر وضميرها، وتصر على بناء وعي جديد من خلال تفجيع الواقع وتأزيمه، وعي يدرك من خلاله الفقراء أن عليهم مواجهة مصائرهم. ويوسف القعيد روائي مصري من جيل الستينيات، حاول بأعماله متابعة نجيب محفوظ ويوسف إدريس في تأصيل الخطاب السردي العربي.

ملاحظة النص

يبدأ النص بحدث بسيط لا يتجاوز فعل الوقوف على باب المدينة، حدث يضع الشخصية في زمن ومكان محددين، ثم يغمر الوصف هذا الحدث وتداعياته التي تنتهي باستمرار وقوف المرأة بباب المدينة في انتظار التفتيش الذاتي، والملاحظ منذ البداية أن الواصف/السارد ملم بتفاصيل الموصوفات، عالم بخباياها القريبة والبعيدة رغم اختبائه وراء ضمير الغائب، ليقدم لنا من خلال رؤيته العميقة موصوفا ينضح بالحزن والاستسلام، ويرغب في الخروج من وضع مزر وحالة مهينة بما يتيح له متابعة الحياة، لكن الظاهر أن المدينة لا تفتح أبوابها حتى تفتش الأجساد والضمائر، والقائمون على التفتيش غير آبهين لمن ينتظر ولا لحجم الوقت الذي ينتظرون. هكذا يبدو من خلال الملاحظة الأولى أن القصة منشغلة بالاستبطان الذاتي بحثا عن صيغة جمالية تصلح للتعبير عن التصدعات النفسية التي تسم الشخصية وتملأ فضاءها بالقتامة والعذاب.

فهم النص

يتمفصل النص إلى حزمة من الوحدات السردية والمقاطع الوصفية التي تدور حول موضوع اجتماعي يصور مرارة الحياة في ظل الهجرة من القرية المحطمة إلى المدينة المطوقة بكل أنواع الحذر والمراقبة والتفتيش وفقدان الثقة وصد الغرباء وغربلة الأفكار والمشاعر، خاصة عندما يكون المهاجر امرأة وطفلا يبحثان عن ملاذ آمن ولقمة ساخنة بعدما زج بمعيلهما في إحدى السجون التي تملأ بلدا يصفي حكامه حساباتهم مع إرث قديم، فينشرون الرعب والجوع، ويصادرون الأرض والحرية والحلم. ويكون انتظار المرأة بباب المدينة انفتاحا على أفق مسدود، وانعطافا إلى درب مظلم مجهول، وتجسيدا لمأساة لاتنتهي في الزمن، وتفجيرا لإحساس باليأس والتداعي لولا خيط من أمل باهت يمسك ببقية رمق عصية على الموت، تبرق في استيقاظ طفل يأبى أن ينام.

وأبرز هذه الوحدات السردية والوصفية :

  • وصول الفلاّحة القروية إلى المدينة تحمل طفلها، وتقف على الباب الضخم طارقة مستأذنة العسكري في الدخول.
  • وصف باب المدينة وسورها وحراسها وصفا يطبع الفضاء بالانسداد والعدائية.
  • سؤال الحارس المرأة القروية عن أوراقها والمكان الذي قدمت منه وسبب هجرتها والمكان الذي تقصده، وإجاباتها المشبعة بالامتعاض والإحباط، المعبرة عن انزياح على كره إلى حيث العمل والبيت والطعام بعدما سجن السند وهدمت الدار وقتلت الحياة في قريتها النائمة في حضن السماء.
  • تفاعل العسكري حارس باب المدينة مع هموم المرأة ورغبتها بسبب إحساس مشترك وماض متشابه وتعاطف مضمر يصطدم مع قانون التفتيش الذاتي الذي ينبغي أن تجريه عسكرية لا تأتي إلا مرة كل بضع سنين.
  • وصف الطفل النائم الحالم والزهرة البيضاء اليانعة وامرأة تتحسس صدرا ممتلئا لبنا بكرا تتوق أن تروي الزهرة ولو بلبنها.
  • إبداء المرأة القروية قبولا للتفتيش الذاتي من قبل العسكري تجنبا لانتظار قد يطول يحول دونه خوف الحارس من المحاكمة بسبب مظهر أصيل للمرأة، ووعي حاد بالحياة لديها، وحركات عفوية لا تنسجم مع فكر الانبطاح والرضوخ ؛ مما يستوجب بالإضافة إلى المفتشة الذاتية ضابطا كبيرا مدققا في الأفكار والسرائر.
  • حزن المرأة لاضطرارها إلى الانتظار خارج الباب يزيد المرأة هيبة والعسكري خوفا وصرامة في تطبيق الأوامر.

تحليل النص

النص منشغل بالوصف منذ بدايته، والوصف منصب على ماهو مادي ونفسي واجتماعي، ويحضر المادي في شكل الموصوف الخارجي، سواء أكان مكانا كمدخل المدينة، أو شخصية كالمرأة القروية والطفل والعسكري، أو حدثا كشكل الوقوف بباب المدينة والحركات المرتبطة به والتداعيات المتناسلة منه، وتعكس الوصف النفسي جملة الأحاسيس والخواطر المثارة والانفعالات المحبطة والرؤى والقيم التي تبثها الشخصية ويوحي بها الفضاء ويدل عليها الزمن، وتتحكم حتى في تشكيل مظهر الأشياء والقوى الفاعلة، بينما يلوح الاجتماعي في رصد علاقة الشخصية بمن يتحكم في مصيرها، وبمحيطها القريب والبعيد المرتهن إلى دلالات انعدام الاستقرار وتفريخ البؤس والألم واليأس؛ غير أنه يغلب على النص الاهتمام بالجانب المعنوي الداخلي في وصف الشخصية، حتى أن بعض ما يشير إلى سمات خارجية مظهرية أو تفاعلات اجتماعية لا يعدو أن يكون تشكيلا لفضاء الأزمة وتأثيثا للاستبطان الداخلي لردود أو أفعال تصدر عن ما وراء الوعي المباشر والرغبات المفضوحة للمرأة القروية المحطمة أو الطفل الحالم أو العسكري الخائف المربوط بصرامة التعليمات، الممنوع من التفكير الإنساني رغم خلفيته النفسية المتبلورة في معاناة الهجرة والهموم.

يطغى على الوصف المادي اشتغال حاسة البصر، وتتبع المنظورات في أبعادها الرحيبة أو تفاصيلها الدقيقة ( قرية بعيدة، المدينة لها سور، وفي السور أبواب، وعليها حراس في أياديهم السلاح، وفي جباخاناتهم الذخيرة، وعلى رؤوسهم الخوذات، وعلى أذرعهم الدروع، باب المدينة يبدأ في الأرض ولا ينتهي سوى في السماء، يسد عين الشمس ونور النهار وظلام الليل…) وأحيانا يتجاوز المنظور حاسة البصر محلقا عبر الخيال في مدى تقصر عنه الرؤية الحسية، ويملأه الإدراك المغلف بالإحساس بدلالات الأشياء المحيلة على الانسداد والمحاصرة والشقاء. أما التحليل النفسي فيتغلغل عميقا في دواخل الشخصية، ويرصد مناطق الوعي باللحظة المتصدعة والكيان المتشظي والرغبة المستعصية ورد الفعل المأزوم، وتتخلله تعليقات وصفية للسارد يستطرد بها خارج الموصوف ليمنح للأزمة امتدادا وللفعل الوصفي تناسلا يخلق دينامية وتشويقا كالتعريج على السجون التي تشبه أبوابها باب المدينة وتتفشى في البلد تفشيا فظيعا، أو كالحديث عن انقسام الناس إلى مفتشين ومفتشين، لذلك لا بد من التفتيش في كل حال.

والملاحظ أن الوصف، وإن زاوج بين عرضي المدرك بالحواس ( البصر والسمع والأذن ) والمدرك بالإحساس، المعروض عرضا عاما أو المتوغل في هواجس النفس ودنادنها، التزم بزاوية وصف متزامنة مع سيرورة الحدث، فبدأ بوصف فضاء الوقوف ثم فضاء القرية ففضاء الهموم، ففعل التفتيش ومكانه، فحركة الطفل والأم وهواجس العسكري، فموقفه، فحالة المرأة والطفل مع الانتظار. وارتباط الوصف بتفاصيل الحدث بهذا الشكل الكرونولوجي منح القصة بعدين متلازمين : بعد أفقي تبلوره حركة الحدث المتتابعة في الزمن، وبعد عمودي تملأه الوقفات الوصفية التحليلية الكثيفة المشحونة بالأفكار والرؤى والعلامات والانفعالات والرموز.

يبدو السارد عالما بتفاصيل الشخصية الموصوفة والفضاء الذي تتحرك داخله ( المرأة، العسكري، باب المدينة، القرية …)، مطلعا على خصوصيات لا تتأتى لسارد محايد، كمعرفة هموم المرأة الفقيرة، وأحلام الطفل الرضيع، وهواجس العسكري، ونمط التفكير والشعور المصاحب لأفعال هذه الشخصيات، مما يدل على أن السارد طرف في عالم الشخصية، يقود رؤية من الخلف، ويتدخل بتعليقاته لتطويق الموصوف بالإيحاأت التي يريد بثها في الأشياء ( لا بد من التفتيش في عصرنا، كانت النباتات الشيطانية تملأ المكان…)، مما يجعل الوصف ذاتيا ينم عن تعاطف مع الفقراء، وتبرم من الأوضاع التي يكابدونها، وإعجاب بغير قليل من سمات الشخصية القروية التي يطبعها الوعي المهدور والمظهر الأصيل والرغبة في تجاوز التصدع وإعادة بناء الأمل رغم القيود والمصادرة ( اكتشف أنه لا يستطيع تفتيش دماغ الطفل ولا دماغ أمه، المرأة القروية.. يمتلئ صدرها باللبن البكر، صحا الطفل من حلمه بالأب والدفء والحب والبيت على صوت ضرب البندقية في الأرض…)

معجم الوصف في النص متنوع يمتاح من العمران والطبيعة والمجتمع والأحوال النفسية والفكرية، وقاموس السلاح والقوانين العسكرية والمظاهر الجسدية والحركية للإنسان، مما يؤشر على كثافة دلالية تمعن بالموصوف في اختزال الحياة بكل أبعادها في لحظة الوقوف والانتظار ومعاناة البؤس والحرمان والحزن. وتهيمن على النص أفعال مضارعة رغم كون الوحدات السردية مصدرة بالأفعال الماضية، واستخدام المضارع في الاستغراق الوصفي الشعوري والإيحائي مسعف في جعل المشهد حيا، وصبغ صورة الموصوف بصبغة المتداعي والمتناسل والمتجدد في زمن يبدو متراخيا متباطئا.

استخدم الوصف لغتين تقريرية وإيحائية، تقريرية لعرض صورة الفضاء البانورامية وملامح الشخصية الظاهرة، وإيحائية لتلوين الفضاء وتشخيص الهواجس والانفعالات بما يعكسه الموقف وتفرخه اللحظة من وعي وشعور بقلق الذات ورغباتها وإحباطاتها، وقد توسل في ذلك بنوع من التصوير يضمن الاستغراق في التأمل، ويخلق فسحا لإمتاع المتلقي وتكسير رتابة التقرير ( يسد عين الشمس، أبعد نقطة عند حافة الأفق، هناك في البعيد في حضن السماء، القلب الحنون الذي تشرب منه، هدمهم التعب، جبال الهموم فوق الصدر معلقة في رموش العين، الهم النائم فوق حبة القلب، الهموم مثل موج البحر البعيد…) وأحيانا تتجاوز لغة الوصف البعد التصويري الإيحائي لتقترب من لغة رمزية أكثر كثافة وغموضا ( تفكر في ري الزهرة البيضاء بلبن صدرها الأبيض، الأمور الخطيرة مثل سحب الشتاء تأتي مع بعضها …).

تركيب وتقويم

النص وصفي متعدد الأبعاد والوظائف الاجتماعية والفكرية والجمالية:

  • اجتماعيا وفكريا يؤشر على نوع من الانتقال في العالم العربي بعد الفترة الكولونيالية نحو تغيير راكم الكثير من الأزمات والمآسي وخيبات الأمل التي قادت إلى كثير من التفاوت الطبقي والحكم الاستبدادي ومصادرة الحريات والحقوق، فكثر الفقراء والمعتقلون والمنفيون والساخطون على الأوضاع، وارتمت البلدان العربية في أحضان الاضطراب الاقتصادي والفكري والاجتماعي سببه ضعف الموارد وتخلف البنيات وسيطرة الفساد وتحكم الوصاية الدولية.
  • فنيا وجماليا يؤسس النص لخطاب سردي عربي ناضج على مستوى الشكل والمضمون تبدو فيه هذه القصة القصيرة عميقة الدلالة على الواقع بكل أبعاده الموصوفة والمسرودة بلغة هلامية صافية كثيفة المعنى، قابضة على اللحظة الموصوفة بشكل مقنع ومؤثر، مشعة بعوالم إشارية يمتزج فيها الظاهر بالباطن، ويتسلل عبرها نوع من المعنى يصنع ماهية الأشياء التي تتكفل بتعرية الأزمة وفضح المأزق الحضاري للمجتمع والفكر العربيين.
Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads