Ads Ads Ads Ads

إحياء النموذج (نص شعري) – تحليل قصيدة ‘أريج المسك’ لمحمد بن ابراهيم دروس النصوص

عنوان الدرس : إحياء النموذج (نص شعري) – تحليل قصيدة ‘أريج المسك’ لمحمد بن ابراهيم

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

التأطير

عاش العالم العربي خلال أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين تحولات تاريخية وحضارية وثقافية وفكرية ساهمت في خلق نهضة واسعة تجسدت في ظهور حركات فكرية متعددة القناعات الفكرية والخلفيات الإيديولوجية (ليبرالية – علمانية – سلفية ) نادت بالتحرر من نير الاستعمار، وتجاوز مظاهر الجمود والتخلف ورواسب عصر الانحطاط، وتجسدت أيضا في ظهور حركة شعرية موازية سعت إلى إحياء نموذج القصيدة العربية القديمة وفق قواعد عمود الشعر كما حددها المرزوقي في شرحه لديوان ”الحماسة” لأبي تمام، ومثلت – خلال عملية استعادة المتن الشعري العربي القديم – بداية انعطافة جديدة في الشعر العربي عنوانها القضاء على مظاهر الجمود التي أصابت الإبداع الشعري في عصر الانحطاط، وحصرته في الزخرفة اللفظية والمعاني المستغلقة والأساليب المبتذلة والتكلف والإسراف في المحسنات البديعية، والتلاعب اللفظي، وغير ذلك.

وقد قامت هذه الحركة الإحيائية على استلهام الخصائص البنائية والفنية للقصيدة القديمة، وعملت على بعث تقاليد الشعر/ النموذج والأجواء الإبداعية المرتبطة به اعتمادا على تقليد فحول الشعراء ومحاكاتهم ومعارضتهم وخصوصا شعراء العصرين الجاهلي والعباسي، ومكنتها هذه الوسائل الإحيائية، واطلاعها الواسع على نماذجه المشرقة من جعل الشعر والشاعر يستعيدان المكانة اللائقة بهما في المشهد الأدبي النهضوي، وأصبح لهذه الحركة الإحيائية معارضون، ومناصرون وأتباع كثر في كل البلدان العربية وتجاوز صداها المشرق العربي ليصل إلى الغرب الإسلامي في تونس والجزائر والمغرب، بل أصبح بعض الشعراء المغاربة من أبرز أعلام المدرسة الإحيائية من أمثال علال الفاسي، محمد الحلوي، المختار السوسي، وطبعا صاحب النص محمد بن إبراهيم الملقب بشاعر الحمراء.

فما هي مضامين هذا النص ؟ ما المعجم المهيمن على هذه المضامين؟ما الذي يميز خصائصه الفنية ؟ وإلى أي حد نجح الشاعر في جعل قصيدته تمثل الاتجاه الشعري الذي تنتمي إليه ؟

التحليل

المضامين

استهل الشاعر قصيدته بالحديث عن معاناته وشكواه من مصائب الدهر وأعاديه، وهي مصائب جعلت حياته قاسية وكئيبة وجعلته يعتبرها أكبر معاناته لأن زمن الانحطاط والابتذال الذي يعيش فيه لا يرقى إلى ما يتحلى به من الشهامة ونبل الأخلاق، ثم انتقل إلى التماس العذر من صحبه وخلانه بسبب حالة الضعف التي أصبح يعيشها تحت وطأة العيش وعذاباته التي أوصلته حد أن يرى في البكاء عزاء يخفف عنه ضغط زمن التردي الذي يعيش فيه، لكن ضعفه أمام الهوى وصروف الدهر لم يمنعاه من إبراز ملامح قوته المتمثلة في خصاله الحميدة (المجد، الشجاعة، العلم، الغنى، الأخلاق، الحكمة…)، وامتلاكه لناصية الإبداع، وقدرته على نظم جميل الشعر وأعذبه دون تكلف أو تصنع مما يجعل المعاني تأتي إليه سهلة منسابة وغير مسبوقة عند غيره من الشعراء، ومن افتخاره بشعره وموهبته انتقل إلى الافتخار بأهله وصحبه وأخلاقهم واصفا إياهم بالصفاء والود وحسن الخلق واللباقة والاستعداد الدائم لتقديم العون، واختتم القصيدة بتوجيه النصح للناس كي يعملوا على تخليد أنفسهم وتحصين محاسن الأخلاق حتى يخلدوا بذكراهم عند الناس والتاريخ والله، ويمكن تقسيم هذه المضامين إلى الوحدات التالية:

  • الوحدة الأولى (1 – 3): التماس الشاعر من مخاطبيه الاستفراد بذاته بعيدا عن زمنه الكئيب عله يجد في البكاء عزاء.
  • الوحدة الثانية (4 – 12): استعراض الشاعر مناقب النبل والشهامة والملكة الفكرية والشعرية التي ينفرد بها.
  • الوحدة الثالثة (13 – 18): إشادة الشاعر بصحبه وبما يجمعهم من ود خالص كثمرة لخصالهم النبيلة.
  • الوحدة الرابعة (19 – 20):التأكيد على خلود الإنسان بفضائله الحميدة عبر التاريخ.

المـعـجـم

اعتمد الشاعر في إبراز مضامين النص على معجم تقليدي ينهل من اللغة التراثية من قبيل: (صارم، العضب، القعب، مناجيد، أقيال…)، وتتوزعه ثلاثة حقول دلالية:

حـــقـل الشــكـــــوىدعوني – أحزاني – يسوؤني – خطب مدهي – يسوؤني – دموعا – أحزاني – سكب…
حـــقـل الفــخـــرأتيه – أزهو – شامخ الأنف – تعرفني الأخلاق – مجد – المال – الجاه – الصحب الأخلاق – الفضل – النهى – العلم الآداب – قريضي – قريحتي – قافية عصماء – خير إخوان
حــقــل الحــكمــةتابع – يشكرك – ذكره – فضيلة ء فعاله – الكسب – ثابر – كسب المحامد – يشكرك التاريخ والناس والرب…

تربط بين هذه الحقول علاقة تكامل لأن شكوى الشاعر من ظروف حياته حفزته على الافتخار بنفسه وإظهار مزايا ذاته وصحبه، بل جعلته في موقع من يسدي النصح للناس ويمدهم بالحكمة التي راكمها عبر تجربته الحياتية، ويهيمن حقل الافتخار على باقي الحقول الدلالية الأخرى بسبب رغبة الشاعر في إبراز خصاله وفخره بنفسه وتمجيد ذاته.

خصائص النص الفنية

الصور الشعرية

أما من الناحية الفنية فقد اعتمدت الصور الشعرية في النص على مكونات البلاغة القديمة وخصوصا مباحث علم البيان من تشبيه وكناية واستعارة ومجاز، وهي في أغلبها صور حسية، ذات وظيفة جمالية وتزيينية، كالتشبيه الوارد في البيت السابع عشر: (حديثهم كأنفاس زهر الروض)، حيث شبه حديث أصحابه في حسنه بأنفاس الروض في رائحته، وهي صورة قائمة على تشبيه مفرد بمفرد. والاستعارة المكنية الواردة في البيت السادس: (تعرفني الأخلاق – تعرفني الآداب )، حيث حذف المستعار منه (الإنسان)، وأبقى على أحد لوازمه (المعرفة)، والكناية الواردة في البيت الخامس في قوله: (شامخ الأنف)، حيث كنى عن عزته ووجاهته بشموخ أنفه، وواضح من كل هذا أن الشاعر اقتفى في الصور الشعرية طريقة القدماء في جعل الصور وصفية ذات طبيعة حسية مادية.

الأساليب

أما على مستوى الأساليب فقد مزج الشاعر بين الأسلوبين الإنشائي والخبري، حيث استعمل الأول للكشف عن حالته الوجدانية الانفعالية كما يدل على ذلك أسلوب النداء الوارد في البيت الأول، وأسلوب النهي (فلا تذكروا) الوارد في البيت الثالث، بالإضافة إلى أسلوب الأمر في قوله:(فثابر على كسب المحامد) الوارد في البيت ما قبل الأخير، واعتمد الثاني (الأسلوب الخبري) كوسيلة للإخبار بمعاناته وافتخاره بنفسه وخصاله ومجده وصحبه، ولهذا هيمن هذا الأسلوب بصيغه الابتدائية والطلبية والإنكارية على معظم أبيات النص وزاوجت جمله بين الفعلية والاسمية.

البنية الإيقاعية

1) الإيقاع الخارجي: على مستوى البنية الإيقاعية نظم الشاعر قصيدته، من حيث إيقاعها الخارجي، على وزن بحر الطويل، وهو من البحور الخليلية المركبة (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن×2) وتتناسب تفاعيله الثمانية مع غرض النص الرئيس (الفخر)، كما اعتمد الشاعر قافية موحدة، مطلقة، متواترة حيث ما بين ساكنيها حركة واحدة ورويها (الباء وهو من الحروف المجهورة الشديدة) موحد متحرك، يضاف إلى ذلك التصريع الوارد في مطلع القصيدة حيث تساوت العروض والضرب (مفاعلن) .

2) الإيقاع الداخلي :أما فيما يتعلق بالإيقاع الداخلي للنص، فيتميز النص بظاهرة تكرار حروف بعينها أهمها روي القصيدة الذي تكرر في كل أبياتها، ثم حرف السين والصاد والهاء …، وهي من الحروف المهموسة الرخوة المناسبة لغرض الشكوى. ولم يقف التكرار عند حدود الحروف/الأصوات، بل تعداه إلى تكرار بعض الألفاظ (دموع، سكبتها، سكب، تعرفني..)، وهذا التكرار يلعب دورا توكيديا يزكي غرضي الفخر والشكوى، ويسهم في خلق انسجام موسيقى النص الداخلية. كما تتميز القصيدة بظاهرة التوازي الذي تراوح بين التوازي الصرفي المتعلق ببنية الكلمات من قبيل: (القلب، الخطب، سكب، عضب، صحب، قعب…) والتوازي التركيبي التام كما في قوله: وتعرفني الأخلاق والفضل والنهى *** وتعرفني الآداب والعلـم والكتـب. والتوازي التركيبي الجزئي، كما في قوله: وما المرء إلا ذكره بفضيلة *** وما ذكره إلا فعاله والكسب. وقد ساهم التكرار والتوازي في خلق موسيقى النص الداخلية، وأضفيا عليه مسحة تزيينية إيقاعية مناسبة لأغراضه، وأسهما في وضع المتلقي أمام مقصدية الشاعر، الذي لم يخرج عما ألفناه في الشعر العربي القديم.

تركيب واستنتاج

خلاصة نخرج بها من كل ما تقدم هي أن القصيدة قامت في مضامينها على ثلاثة مواضيع هي الشكوى والفخر والحكمة، وعبر خلالها الشاعر عن شدة معاناته من قهرا لدهر والهوى، وهو ما أضعف صبره وأسال دمعه، وفرض عليه طلب العذر من الصحب والخلان، دون أن يمنعه من الافتخار بمزاياه ومحاسنه وموهبته وصحبه، بل تعدى ذلك ليمدنا بالحكمة والنصيحة الداعية إلى ترك الأثر وتخليد النفس، وقد عبر الشاعر عن هذه المضامين بأساليب بلاغية تنتمي إلى علم البيان، وصور شعرية حسية، ومعجم تقليدي يوظف لغة وصور ومعاني الأقدمين.

نستنتج من كل ما سبق أن هذا النص يمثل بوضوح شعر البعث والإحياء، فشكل القصيدة الهندسي تقليدي، قائم على نظام الشطرين المتناظرين، ووحدة البيت، والوزن، والقافية، والروي، وتصريع المطلع، ومضمونها تميز بتعدد الأغراض وهي سمة تقليدية في القصيدة العمودية، ومعجمها تقليدي يمتح من اللغة التراثية، وصورها الشعرية حسية مادية تنهل من مباحث البلاغة العربية القديمة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، ولم يخرج إيقاع القصيدة عن مظاهر تقليد الشعر النموذج القائمة على أسس عمود الشعر.

إحياء نموذج نص شعري – تحليل قصيدة لي في من مضى مثل لمحمود سامي البارودي دروس النصوص

عنوان الدرس : إحياء النموذج (نص شعري) – تحليل قصيدة ‘لي في من مضى مثل’ لمحمود سامي البارودي

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية القراءة

في سياق النهضة التي أعقبت حملة نابليون على مصر سنة 1779، جاء التيار الإحيائي استجابة لحاجة الأمة العربية إلى سند للبقاء، بعد أن ساد الانحطاط مختلف مظاهر الحياة العربية، وضعفت اللغة الشعرية وأغرقت في صنوف التكلف والتصنيع، حتى كان الشعر صورة للانحطاط وتعبيرا عن الحياة الجامدة ..

وقد حاول بعض الشعراء (حسن العطار،عبد الله فكري ..) التحرر من هذا الجمود ودخول غمار الإحياء، وانتشال الشعر العربي من الجمود والتقليد والإسفاف. إلا أن محاولات هؤلاء كانت محتشمة متواضعة .

وفي النصف الثاني من القرن 19 حاول جيل ثانٍ إحياء النموذج الشعري القديم، وبعث القصيدة العربية بأصولها الفنية، وقيمها الثقافية والجمالية، ومحاكاة النموذج الشعري العباسي والأندلسي الزاهر، ومعارضة شعرائه لأجل الخروج من الأزمة الشعرية التي خلفها عصر الانحطاط .. من بين هؤلاء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي (1839 – 1905) الذي تضافرت عدة عوامل في بلورة شخصيته والتأثير في شعره منها : نسبه غير العربي وتعلمه في المدارس الأميرية وثقافته العربية الأصيلة ومكانته العسكرية ونشاطه السياسي .. قام ببعث القصيدة العربية بأصولها الفنية وقيمها الثقافية والجمالية، وحاول التعبير عن حياته وتجاربه وأزماته ومختلف التحولات الخاصة وتقليد الموضوعات الشعرية القديمة. إلا أن تجربته لم تكن تجديدا للشعر العربي، بل كانت بعثا وإحياء له. ألف في مختلف أغراض الشعر وخاصة الحماسة والفخر والوصف .. وخلف ديوانا شعريا صدره بمقدمة حدد فيها مقاييس الشعر الجيد ومفهومه . والنص الذي بين أيدينا “لي في من مضى مثل” نموذج إحيائي نتعرف من خلاله على أهم خصائص شعر إحياء النموذج . فما هي مضامين قصيدته ؟ وما خصائصها الفنية ؟ وإلى أي حد تعكس خطاب إحياء النموذج ؟

الملاحظــــة

يوحي عنوان القصيدة “لي في من مضى مثل” باعتراف الشاعر بفضل الشعراء الجاهليين عليه، فشعرهم مثلٌ يُحتذى به .

انطلاقا من البيت 1 – 17 – 19 نفترض أن موضوع القصيدة يتمحور حول الغزل والفروسية والصيد والحكمة .

ترتبط هذه الموضوعات بالعنوان من حيث إحالتها على الماضي واتخاذه نموذجا لتأليف الشعر .

تقوم القصيدة على نظام الشطرين المتناظرين، وهي جزء من قصيدة طويلة .

نفترض، إذن، أن النص يدور حول الفخر بالفروسية، ووصف الصيد، وهو عبارة عن قصيدة عمودية الشكل .

فما مضامين هذه القصيدة؟ وما خصائصها الفنية؟ وإلى أي حد تعكس خطاب إحياء النموذج مضمونا وشكلا ووظيفة؟

الفهــــــم

  • (1 – 5): استهل الشاعر قصيدته بمقدمة عاطفية أبان من خلالها عن حنينه إلى أيام الصبا وتجربة الحب التي ألمت به في كبره، وخضوعه لسنن الأسلاف في نظم معاني الغزل.
  • (6 – 10): وما إن رسم لقطة لضعف ذاته أمام سلطان الحب حتى هم بوصف قوته في مظاهر فروسية، فوصف الفرس مركزا على لونه الأشقر وخاصة تناسق ألوان قوائمه، وطواعيته له في ساحة الحرب
  • (10 – 14): وصف السيف وحدته ولمعانه وسرعة فتكه بالأعداء.
  • (15 – 18): وصف رحلة الصيد ووفرة الطرائد وأنس رُفقائه في الشتاء.
  • (19 – 23): المقطع الحكمي أكد فيه حقيقة العيش القائم على التوازن وصفاء الفطرة وحُسن الخلق.

التحليل

المعجم

حقل الفروسيةمقدام، ماضي، الغرار، الباترات، البيض، يمر بالهام مر البرق، فتكه، يفل، الحوافر، القوائم، حجول..
حقل الوصفأشقر، حجوله، خاض نهر الصبح، زرق حوافره، سود نواظره، خضر جحافله، لم يعلق به بلل، شعلة..
حقل الحكمةفي خلقه ميل هذا هو العيش، فاتبع هواك، اعرف مواضع، الريث يحمد به، هذا هو الأدب فارض به..

تعدد أغراض القصيدة (وصف، فروسية، حكمة)، وهي موضوعات تتكامل في الصورة النموذجية للشاعر الذي يجمع بين الوصف والفروسية والحكمة في لحظة شعرية واحدة، تجمع بين الوصف والفروسية والحكمة. فالمعجم يعكس القيم الثقافية الموروثة من فروسية وحكمة وصدق وصفاء خلق ولحظة عيش تعتمد منهج اللذة في الحياة . والواقع أن هذه القيم ذات وظيفة اجتماعية توثق الروابط باعتبارها قيما مشتركة. وهذا يؤكد أن القصيدة تجمع بين التعبير عن الذات الفردية والذات الجماعية، وهي بذلك تشبه النموذج الشعري العربي القديم.

هذا ما يفسر هيمنة ألفاظ الحقل الدال على الفروسية وما يرتبط به من أوصاف ونعوت مسترسلة تخص صورة الفارس والفرس وتداعيات هذه الصورة في الخيال الشعري القديم. (وذلك عكس ألفاظ حقل الحكمة التي تقتضي الإيجاز وقلة الألفاظ).

معظم مفردات النص المعجمية مستلهمة من المعجم الشعري القديم، وبالتالي فهي تتميز بالفصاحة والجزالة (اللمة، غطه الجزع، الباترات، الوصل، يكتهل ..) .. وكلها خصائص فنية تقترن بالصورة النموذجية للشاعر الفارس الحكيم ..

الإيقــــــاع

ردْدَ صْصبا |بعد شيْــ | ب لْـلمة لْـــ | ْغزلو  ۩۩۩  وراح بلْـ |جدْد ما | يأتي به لْـــ | هزَلـو (تصريع)
׀و ׀و ׀ ׀و |׀و ׀׀ و | ׀و ׀و ׀ ׀و |׀׀ ׀و  ۩۩۩  ׀׀و׀ ׀و | ׀و׀׀و | ׀و ׀و ׀ ׀و | ׀׀׀و
مسـتفــعلن | فــاعـلن | مستفـــعلن | فَعِلُنْ  ۩۩۩  مـتفـعلن| فاعلن | مستفـــعلن | فَعـلُنْ

فالقصيدة من بحر البسيط، وهي مخبونة العروض والضرب ( فاعلن ← فعِلنْ)، موحدة القافية وحرف الروي، وهذا البحر يناسب غرض الوصف والفخر، لما توفره تفاعله من مقاطع صوتية تتسع لطول نفس الشاعر ..

  • القافية : (ب6: مشتعلو) ، (بـ 5: هـلكلل) ، (بـ 18: لا دغلو) ..
  • الروي: [ ل] وهو صوت لثوي مجهور اقترن بضمة مُشبعة تملأ الفم في سياق الفخر .
  • اعتماد التصريع (ـة لْـغزلو = ـه لْـهزلو).
  • في القصيدة مظاهر إيقاع داخلي تتمثل في التوازي والتكرار.
  • لاحظ التقابل الموجود بين كلمات الشطرين الأول والثاني في البيت 9، وتحسس دور البنية الصرفية والنحوية في تحقيق التوازي (حوافره = جحافله).
  • لاحظ أيضا الإيقاع المنبثق من صيغة الأمر المتكررة في الأبيات 20 ـ 21 .
  • تكرار بعض الكلمات (يمضي ـ ماضي).
  • تكرار صوت[ ل] داخل القصيدة تجانسا مع حرف الروي، مما يدعم الكثافة الصوتية لهذا الحرف.
  • ألفاظ النص ذاتُ جرس موسيقي متآلف، ولا سيما القافية المنتهية بـلام مرفوع بضمة مشبعة.

فالشاعر، إذن، يستلهم أحد أهم مقومات البنية الإيقاعية للقصيدة التقليدية بإحيائه للنموذج العروضي القديم .

الصورة

تطفح القصيدة بالصور الشعرية القائمة على قواعد البيان من تشبيه واستعارة؛ ففي البيت 8 شبه لون الفرس الذي يجمع بين اللونين الأشقر والأبيض، وقوائمه بكونه خاض نهر الصبح لتقريب الصورة إلى ذهن القارئ. وفي البيت 6 استعارة شبه فيها الجو بالوقود الذي حذف وأشير إليه بأحد لوازمه وهو الاشتغال على سبيل الاستعارة المكنية. وفي البيت 7 شبهت القوائم المحجلة الثلاث والقائمة الرابعة العاطل بأنها غمرت بالبياض والرابعة معزولة.

  • في البيت 8 شبه بياض قوائم الفرس بنهر الصبح وضوحا ونصاعة وإشراقا، وشبه لون جوانبه بلون شروق الشمس ألقا وتوهجا في الصفرة .
  • وفي البيت11 كناية (لم يعلق به بلل) كناية عن حدة السيف ومهارة الفارس .
  • وفي البيت 13 شبه السيف، في سرعة قطعه للرؤوس، بسرعة مرور البرق، كما شبهه وقت القتال بحركة النار في مهب الريح، أو بشعلة تتحرك بها الريح.

هذه الصورة جلية، بسيطة، سهلة الإدراك، قريبة المنال، لا التباس ولا غموض فيها، وهي ذات دلالة حسية، تشي بخيال قريب لا يحتاج العقل معه إلى جهد كبير لإدراكها، تتميز بدقة وصف الفرس وحركة السيف. وهي تقترن بمعاني الفخر بالذات. كما أن لها دلالة اجتماعية تتمثل في تصوير المعاني ذات الحمولة الثقافية التي تربط بين أفراد المجتمع والمتضمنة لقيم الفروسية والشجاعة وما يقترن بها من خصال . ومع ذلك فإن الصورة تبقى ذات وظيفة تزيينية إذ لا تسهم في التعبير عن معنى عضوي في بناء القصيدة، فهي أشبه بثوابت أسلوبية بلاغية نظمها الشاعر أو استحضرها من محفوظه الشعري الغزير..

وإذا تأملنا موضوعات القصيدة من فروسية ووصف ..فإننا نلاحظ هيمنة لون البياض على المشاهد التصويرية (بياض قوائم الفرس، نهر الصبح، السيف، البرق..) مما يوحي بالصفاء ووضوح الرؤية إلى الأشياء وفي منظور الشاعر، وكذا إلى وضوح موقفه المُمجد لقيم مضت (لي في من مضى مثل).

الأسلــــــوب

في البيت 4 و23 يبدو احتذاء الشاعر بالأقدمين واضحا، ولعله في ذلك يكشف عن معارضته لهم وتناص شعره مع نصوصهم. ولكنه مع ذلك يؤكد من خلال ورود ضمير المتكلم المفرد على خصوصيته وتفرده في الشجاعة والفروسية.

ومن هنا تركيزه في الوصف على ذاته دون غيره. هذه الذات تتجلى بصورة بطولية في وصف فرسه وسيفه بصفات متفردة، فكأن ذات الشاعر تتماهى وتتجلى أكثر وضوحا خارج الذات في حركية السيف والفرس، حيث البطولة والفروسية، فحتى في مقاطع وصف الفروسية لا تغيب الذات.

وفي مقطع وصف الصيد وظف الشاعر ضمير المتكلم الجمع لأن الصيد طقس جماعي يجسد الانتماء من خلال الفعل التشاركي في مواجهة الطبيعة.

وفي نهاية النص أورد الشاعر مقطعا حكميا ذا نزعة خطابية واضحة، يبرز فيه ضمير المُخاطب (فاتبع هواك). وهو مقطع يعكس قدرة الشاعر على نظم المعاني الراقية ذات البُعد الحكمي، وكذا تهذيب ذوق القارئ وإرشاده إلى الخصال النفسية الحميدة ومكارم الأخلاق وإقناعه بها لتكون قدوة له في الحياة الاجتماعية . وهذا يبين حرص الشاعر على إقناع القارئ بتصوره للآداب والخصال النفسية التي يؤمن بها المجتمع والمأثورة عن القدماء.

من هنا فوظيفة هذا المقطع حجاجية.

البنية

تترابط مقاطع القصيدة بحركة نفسية تتدرج من لحظة ضعف الذات أمام عاطفة الحب إلى مسارات القوة على صهوة الفرس الطيّع بحركته السريعة في ساحة القتال، وتناسق ألوانه، ومساعدته الشاعر على الفتك بأعدائه والصيد مع رُفقائه .. ليتوج هذه الحركة النفسية في المقطع الأخير بالحكمة والرشاد وحسن الخلق.

ومن جهة أخرى تضمنت القصيدة مواضيع عديدة كالغزل والفخر والصيد والحكمة، ربط بينها الشاعر برابط إيقاعي (وحدة الوزن والقافية والروي) ونفسي ذاتي يؤكده اعتماد ضمير المتكلم، وهذا الربط نوع من الانسجام .

لقد بدأ الشاعر هذه القصيدة بالحنين إلى الصبا الذي عاد فعاد معه الإحساس بمشاعر الحب والغزل، وانتقل إلى الإشادة بالفتوة والفروسية ووصف رحلة الصيد، ثم ختمها حكيما رشيدا من هنا تكون القصيدة قد اختزلت حياة الشاعر منذ طفولته وما مر به من نكبات عائلية وسياسية وفترة الشباب (الغزل والصيد) وصولا إلى الشيخوخة حيث ينطق حكمة. فهذه السيرورة الحياتية تجسد معيارا زمنيا يوحد مواضيع وأغراض القصيدة. ومع ذلك بقي سؤال بنية النص الإحيائي مطروحا، خاصة مع مجيء منظري الرومانسية.

التركيب

هكذا نخلص إلى أن الشاعر قدم للقارئ نفسه من خلال صورة مثالية للفارس الحكيم، الذي يخرج إلى ساحة الحرب بسيفه الفتاك وفرسه الأشقر، يتخطى الأهوال منجزا ملاحم في الفروسية والبطولة، متمتعا بلذة العيش والصيد ورفقة الأطياب من أصدقائه. ولعله في ذلك يذكرنا بامرئ القيس وأبي فراس الحمداني .

وهكذا يتضح أن النص نموذج حي للقصيدة الإحيائية بكل ما تزخر به من قيم ثقافية (فروسية، صيد، حكمة، حنين إلى أيام الفتوة والشباب… وغير ذلك مما شحنت به ذاكرة الشاعر)، وكذا قيم فنية شعرية (ألفاظ تقليدية مستلهمة من القاموس الشعري القديم، وبنية إيقاعية خليلية تعتمد وحدة الوزن والقافية والروي، والصور البيانية التقليدية القائمة على التشبيه .. والخيال الحسي، وذات الوظيفة التزيينية).

التقويم

يتضح من قول السعيد الورقي أن للبارودي قدرة على استلهام الإطار الفني للقصيدة العربية التقليدية، والتعبير من خلاله عن خواطره ومضمون عصره. وهذا ما يفسر تردد مشاهد الشعر العربي القديم في شعره.

والواقع أن هذا الحكم يصح إلى حد كبير على القصيدة موضوع درسنا، فإطارها الفني تقليدي يتناول مواضيع الفروسية، ومقاطع وصف مراعي الظباء، والحكمة بادية في موضوعاتها المنسوجة في قالب فني، مكنت الشاعر منه قدرته اللغوية، وذوقه الفني .

ورغم أن شعر البارودي لم يحقق تطورا كبيرا، إذ ظلت الصور البيانية، مثلا، مجرد زخارف وأصباغ تُراد لنفسها، مستمدة من الذاكرة الشعرية مستقلة عن مشاعر الشاعر وأحاسيسه .

إلا أن مزية شعره تتقلص حيث تستند إلى معايير التطور والدينامية التي تشرط تطور المضامين بتطور البنية والشكل والأدوات الفنية. وهذا ما حاول القيام به وريث البارودي الشاعر أحمد شوقي .

درس إحياء النموذج نص نظري – تحليل نص ‘انبعاث الشعر العربي’ لمحمد الكتاني دروس النصوص

عنوان الدرس : إحياء النموذج (نص نظري) – تحليل نص ‘انبعاث الشعر العربي’ لمحمد الكتاني

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

تأطير النص

عرف الشِّعر العربيُّ قبل عصر النهضة (ق19) جمودا وانحطاطا، فهيْمن عليه التَّصنيع والتّكلُّف وساد فيه الولَعُ بالشَّكل، واهتم شعراء عصر الانحطاط بألوان البديع وتفاهةِ الأغراض على حساب المعنى، وبعد أن هبت على العرب رياح النهضة انبرى شعراء البعث والإحياء لإعادة الحياة إلى الشعر العربي وبعْثه من جديدٍ باستلهام النموذج القديم والنَّسج على منوال الفُحُولِ، ومُجَاراتِهم في بناء الصور وتشكيلات المعنى والإيقاع والأسلوب، ومنْ أبرز هؤلاء: محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم. ولما استقرَّتِ الحركةُ على قاعدة ثابتة واكبتها حركة نقديّة وقامت على إِثْرها بحوث نظريةٌ أبرزت خصائص حركة إحياء النموذج وعرفت بها وبسطت رؤيتها وأدواتها ونافحت عنها في المعارك النقدية المشهورة بين أنصار القديم والجديد مستثْمرة مخرجات المناهج الحديثة، ومِن أبرز النّقاد الذين دَرسوا شعر البعث والإحياء شوقي ضيف، وأدونيس، ومحمد مندور، وصاحب النص “محمد الكتَّاني”، الذي يُعدُّ من الباحثين المغاربة الذين تناولوا بالدِّراسة والنقد حركة إحياء النموذج. فما القضيَّة التي يعالجها النّص؟ وما أسوب الكاتب ومنهجه في هذه المعالجة ؟

فرضيات القراءة

العنوان مركّب اسمي إضافي “انبعاث الشعر العربي”، والمضاف مبتدأ يحيل على استعادة الوجود والكينونة، والمضاف إليه الموصوف يحدّد طبيعة المبتدأ وانتماءَه، فيما الخبر يحيل عليه متن النص، ومن الناحية الدلالية يحيل العنوان على حركة إحياء النموذج بما تخضع له من ضوابط معلومة في بناء المعنى والمبنى، ويفهم من العنوان أنّ الشعر العربي انتقل من طور الموت إلى طور الإحياء، وكانت الحياة هي العودة إلى النموذج المشرق. فإلى أي حدٍّ يعْكس العنوان مضمون النّص؟

بالنظر إلى إيحاأت العنوانِ وشكل النصّ الطّباعيّ، وبعض المشيرات النصّية الدّالة من قبِيل: (إحياء القديم، موت المعاني، انتعاش الروح القومية، إحياء الصّورة القديمة، متانة التركيب وجزالة اللفظ ونصاعة المعنى…) نفترض أنّنا إزاءَ مقالة أدبيّة بحمولة حجاجية تعالج قضيَّةً أدَبيّةً تتعلق بحركة إحياء النموذج. فما هذه الحركة؟وما خصائصها؟ وما المفاهيم والقضايا المعروضة ؟وما مرجعيتها؟ وما طرائق العرض المستثمرة؟ و هل وفق الكاتب في هذه المعالجة؟

المفاصل الدلالية للنص ( قضايا النص)

عرض الكاتبُ في مقالتهِ قضيّة رئيسية تمثَّلت في ” التَّعريف بشعر إحياء النموذج”، من خلال استعراض أهمِّ خصائصه الشّكلية والمضمونية، وفي سياق ذلك وصَف حالَ الشّعر قبل انبعاثه في شكل من المقارنة المسعفة في تجلية القضية . وقد تفرَّعت هذه القضيَّة إلى قضايا فرعية، منها ثنائيّات مشهورة في النقد، ومنها إشكالات عامة.

فمن الثنائيات نذكر:

  • قضية اللّفظ والمعنى :وهي حاضرة في المقالة في سياق عرض اهتمام شعراء عصر الانحطاط باللفظ على حساب المعنى (التصنّع، كلفة التلاعب اللفظي، التّوريات ضروب البديع)، وهو ما عملت حركة إحياء النموذج على تصحيحه.
  • قضية الطَّبع والصَّنعة : وتحضُر في النصِّ عبر الإشارة إلى التَّصنيع والتكلف الذي رافق شعر عصر الانحطاط نتيجة ضَعف السَّلائق، كما نجدها في عرض مفهوم الشعر لدى الإحيائيين، إذ هو “فيْض وجدان وتألّق خيال” يجري على اللسان في يُسرٍ وسلاسة دون عُسْرٍ أو تكلُّفٍ أو تعسف.

ومن الإشكالات العامّة، نذكر:

  • قضية عمود الشعر : ونجد صداها في النص في المعروض من خصائص شعر البعث والإحياء التي لا تخرج عن الإطار المفاهيمي لهذه النظرية المعيارية المؤطرة للقصيدة العربية التقليدية إيقاعا وتصويرا ولفظا ومعنى ( جزالة الألفاظ، متانة التركيب، قوة الجرس، التصوير البياني، نصاعة المعنى، …).
  • قضية مَفهوم الشِّعر : وتتضخ في عرض الكاتب للمفهوم الصَّحيح للشّعر كما مثله شعراء إحياء النموذج (فيض وجدان وتألق خيال، سليما من التكلف، بريئا من التعسف…).
  • وظيفةُ الشعرِ : ويحصِرها الكاتب في البعد التربوي والاجتماعي الذي أولاه الإحيائيون أهمية قصوى، لأن الشعر فنا نبيلا، ومن ثم فهو “تهذيب النفس، واجْتِلاء المكارم، وتنبيه الخواطر…”.

وقد أسهمت هذه القضايا في إضاءة القضية الرئيسيَّة وبلورة أبعادها لتفهيمها المتلقِّي تمهيداً لإقناعه بجماليةِ شعر إحياءِ النَّموذج، ودوْره التّاريخيِّ في انتشال الشعر العربي الحديث من أنفاق الرداءة وسراديب الانحطاط.

البناء المنهجي والأسلوبي

توسل الكالتب في مناقشته قضية “انبعاث الشّعر” بمجموعة من الأساليب والطّرائقِ سَهَّلت عليه تقْليب فِكرته وتمحيصها بشكل يضمن كفايتها التفسيرية والإقناعية، حيثُ استند أول الأمر على تنويع الاستدلال بحجج من الواقع كالإشارة إلى مظاهر انحطاط الشِّعر العربي في فترة ما، ومن التَّاريخ بالإشارة إلى تطوُّر الشِّعر العربي عبر العصور، بالإضافة إلى استخضار محمولات النقد القديم المنطقية عبر استدعاء جهاز اصطلاحي ذي كثافة تنظيرية عالية من قبيل :”إحياء الصورة القديمة، مؤتلف اللفظ بالمعنى قريب المنزل بعيد المرمى، سليما من وصمة التكلف…”، وغيرها من المفاهيم التي تشكل القاعدة النظرية لفعل الإحياء والبعث وهو ما ساهم في تدعيم فكرة الكاتب وتأمين قبولها لدى المتلقي. إضافةً إلى ذلك توسل الكاتب بطريقةَ المقارنةِ فقارن بين شعر عصر الانحطاط (موت المعاني، الإفراط في التصنع، ملهاة وتسلية…) وشعر الإحياء النهضوي ( جزالة اللفظ، نصاعة المعنى، فيض وجدان…)، لبيانِ تميّز شعر إحياء النموذج وتألقه، ولجأ إلى أساليب التفسيرِ والوصف لملامسة حالتي الشِّعر قبل النّهضة وإبانها، ولتوسيم الشّعرِ الجيدِ ( إحياء النموذج وتزكيته: “ما كان مؤتلف اللفظ بالمعنى، قريبَ المنزل، بعيد المرمى، سليماً من وصمة التكلّفِ، بريئا من عَشْوَةِ التَّعسّفِ “، وفي باب الوصف والتفسير استثمر التّعريف فجرد كثيرا من المفاهيم والقضايا كمفهوم الشعر ووظيفته، ومفهوم البعث وأدواره ومفاهيم الجودة والرداءة بأسلوب سردي ونفس إخباري مجد في مثل هذه المقامات الخطابية التفسيرية والإقناعية، وأسلوب تقريري قائم على مادة معجمية نقدية واصفة ودقيقة حبلى بالمصطلحات الأدبية القديمة ولا مجال فيها لعرض الانفعالات وتسويق الخواطر والإيحاأت، ولغة مسبوكة مصقولة بمتانة وعناية تضاهي متانة النثر القديم وتنسجم مع مقصدية الكاتب في تزكية الإبداع والكتابة المعيارية المحافظة..

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكاتب في عرضه لقضية انبعاث الشعر العربي سخر أسلوباً استنباطياً تنقل فيه من العامِّ إلى الخاص ومن الكلِّ إلى الجزء بدأ بالإشارة إلى الظُّروف العامة لظهور حركة البعث والإحياء، وتعريجا أهمِّ الخصائص الشَّكلية والمضمونيَّة التي ميزت هذه الحركة معززا عرضه بالتفسيرات الملائمة والاستدلالات المناسبة والأمثلة الكافية، وانتهاء إلى التأكيد على أنّ انبعاث الشعر العربي لم ينبت فجأة أو صدفةً، وإنما في إطار حركة إصلاحية عامة نجمت عن وعي جماعي عميق وناضج بضرورة الإصلاح من خلال استعادة الذات القوية المنسية والمفقودة، وطرد الذات المتهالكة المنحطة . وإلى جانب أسلوب الاستنباط توسل الكاتب بمنهجية منطقية تقوم على توصيف الظاهرة في سيرُورتها وتطوِّر ها التَّاريخيّ: (عصر النّضج والكمال ثم عصر الانحطاط ثم عصر النَّهضة)، وجرد المفاهيم وتتبع الأبعاد واستقراء الواقع وترتيب النتائج على الأسباب.

وقد مكَّنت هذه الأساليبُ الكاتبَ من ترتيب أفكـاره وتنسيقها وعرضها بشكـلٍ مترابط يفضي إلى الفهم الجيِّد والتأويل الصَّحيح، وإلى إقناع القارئ بأطروحته في نهاية المطاف.

تركيب وتقويم

تأسيسا على معطيات التحليل نستنتج أنَّ الكاتب استهدف تعريف مدرسة إحياءِ النموذج، برصْد أهمِّ خصائصها مقارنا بينها وبين شعر عصر الانحطاط، مبيِّنا جُهود الإحيائيِّين في انتشالِ الشِّعر من مُستنقع الرّداءة والإسفاف. وتكمنُ مقصدية الناقد في الانتصار لشعرِ إحياء النموذج وإلفاتِ الانتباه إلى دوره التّاريخي في استعادة القصيدة العربية من براثن الموت. وقد وظَّف لذلك جملة من الطرائق توزعت بين الحجج وأساليب التفسير من تعريف ووصف ومقارنة، ومواد لغوية داعمة للحجاج، و أسلوب الاستنباط والجرد، واللُّغة التقريرية المباشرة و الجمل الخبرية الطويلة وغيرها. وقد نجحَ الكاتب إلى حدٍّ بعيد في عرضه لخصائص شعر إحياء النموذج، وأصبحنا ملزمين بالقول إن الفرضية التي طرحناها في بداية تفكيكنا لهذا النص فرضية صحيحة، إذ تبين أن حركة إحياء النموذج شكلت محطة فاصلة وضرورية وحاسمة في إعادة الشعر العربي إلى الحياة العربية الجديدة المصطرخة بنوايا الإصلاح وتحققاته مما مهد الظروف أمام تطورات أخرى لاحقة سيمثلها تيار سؤال الذات ومن بعده تكسير البنية فتجديد الرؤية.

Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads