Ads Ads Ads Ads

تأطير إشكالي عام لمجزوءة الأخلاق – مجزوءة الأخلاق – الفلسفة – الثانية باك

عنوان الدرس : تأطير إشكالي عام لمجزوءة الأخلاق

المادة : مجزوءة الأخلاق – الفلسفة

الشعب: جميع الشعب (علوم تجريبة وعلوم رياضية وعلوم اقتصادية وعلوم والتكنولوجيات الكهربائية…الخ)

المسالك: جميع المسالك (علوم فيزيائية وعلوم حياة والارض واداب وعلوم انسانية والعلوم والتكنولوجيات الميكانيكية ..الخ)

عندما يتم الحديث عن فلسفة الأنساق، يحيلنا ذلك بالأساس الى مكونات النسق الفلسفي الأساسية: الوجود ء المعرفة ء القيم، وضمن هذا المكون الأخير يمكن أن نتكلم ولو بشكل منهجي تعليمي صرف، عن علوم أو مباحث هي: مبحث الجمال، ومبحث المنطق، ومبحث الأخلاق. فما هو المجال الذي يهتم به هذا المبحث الأخير إذن ؟ إنه ذلك المجال الذي يقوم على دراسة وتأمل السلوكات، والتصرفات والأفعال وتحديد الغايات التي تصبو إليها، وفق قواعد معيارية تسمح لنا بتمييز الخير عن الشر، وبالتالي تحديد ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله. انطلاقا من عملية التحديد هذه ينكشف أول مفهوم يمكن تناوله أخلاقيا وهو مفهوم الواجب. فما المقصود بالواجب إذن ؟ وما الذي يمنحه هذه الصفة ؟ هل يرتبط هذا المفهوم بالفرد أم بالجماعة، أم أنه يتخطاهما ليأخذ طابعا شموليا، يتجاوز النسبية والفردانية أو الخصوصية الى الشمولية والكلية والكونية ؟ وسواء كان الواجب فرديا أو كونيا، فما هو الطابع الذي يتخذه ؟ هل يتخذ طابع الإلزام والإكراه والخضوع للقوانين الوضعية التي تكون كل مخالفة لها تحت طائلة العقاب أم يتخذ طابع الالتزام والاختيار، وبالتالي الخضوع للقوانين الذاتية الأخلاقية ولنوع آخر من العقاب، هو عقاب الضمير الأخلاقي (كانط، غويو، هيوم) ؟ إن الحديث عن وجود قوانين ذاتية أخلاقية سوف يدفعنا الى التساؤل عن طبيعة الوعي الأخلاقي أو ما نسميه أحيانا بالضمير الأخلاقي، فما هي طبيعة هذا الوعي أو الضمير الأخلاقي ؟ هل هو ضمير فطري يقوم على الغريزة التي تدفع الإنسان الى التمييز بين الخير والشر، أم أنه وعي أخلاقي مأساوي يقوم على نوع من العنف والقسوة الموجهين ضد الذات (روسو، برينتانو، نيتشه) ؟ إن الحديث عن الواجب كواجب أخلاقي يمكن أن يقودنا أيضا الى طرح تساؤل آخر هو: ما طبيعة العلاقة التي تربط بين الواجب الأخلاقي والمجتمع ؟ هل تعتبر سلطة المجتمع هي ما يخلف الواجب الأخلاقي بحيث يكون هذا الأخير مجرد ترديد لصوت المجتمع وصدى له، أم أن الواجب يمكن أن يتجاوز حدود هذا المجتمع أو ذاك ليتخذ طابعا كونيا يتجاوز الالتزام تجاه المجتمع الى التزام تجاه الإنسان كإنسان (دور كايم، إنجلز، برغسون) ؟

يرتبط مفهوم الواجب بالحرية أيضا، نظرا لكونه يشير الى ما ينبغي القيام به إما بشكل إلزامي أو على شكل التزام أخلاقي، في حين تشير الحرية عموما الى القدرة التي يملكها الفرد على فعل ما يريد.

انطلاقا من ذلك يرتبط الواجب بالحرية من خلال الفعل، إلا أنهما يبدوان وكأنهما متعارضان ولو على مستوى الظاهر، وليتجاوز ذلك يلزم التدقيق في مفهوم الحرية. فهل يعتبر هذا المفهوم مفهوما واضحا بذاته أم أنه من اللازم الانفتاح على مفاهيم مجاورة له بهدف توضيحه ؟ من أين تستمد الحرية مشروعيتها هل تستمدها من الإرادة الإنسانية أم من قواعد وقوانين خارج تلك الإرادة ؟ ما هو وضع الإنسان وأفعاله في علاقتهما بالحرية ؟ هل تعتبر تلك الأفعال كلها أفعالا حرة أم أنها تخضع للحتمية أم أن منها ما يمكن اعتباره فعلا قائما على الحرية، ومنها ما لا يكن اعتباره كذلك ؟ هل ينبغي للحرية أن تكون مطلقة حتى تعتبر حرية حقيقية، أم أنها لكي تكون كذلك ينبغي أن تكون محدودة ببعض الضرورات والشروط التي لا يمكن تخطيها (ابن رشد، ميرلوبونتي، سبينوزا) ؟

تنفتح أيضا مسألة الحرية على الإرادة فما هي طبيعة العلاقة الممكنة بينهما ؟ هل الحرية هي تلك الملكة التي تسمح للإنسان بإناج القانون الأخلاقي الذي لا يتعارض مع الإرادة الحرة أم أنها خضوع لإشراطات نفسية واجتماعية وتاريخية ؟ هل تستطيع الإرادة الحرة أن تختار في جميع المجالات بحرية وأن تصدر أحكامها من دون أي عائق يقف في وجهها، أم أنها تستطيع فعل ذلك في مجال دون آخر ؟ هل تتجه إرادة الإنسان الى القيم والأخلاق ونفي كل ما هو مادي غريزي، أم أن هذا التورع لا يعدو أن يكون نزوعا مضادا للطبيعة الإنسانية (ابن باجة، كانط، نيتشه) ؟

ومن زاوية أخرى تنفتح الحرية على القانون بحيث تصبح التساؤلات التالية ضرورية: هل تتعارض الحرية مع الخضوع للقوانين، سواء كانت وضعية أم أخلاقية ؟ هل ينبغي على الجهة الممثلة للقانون إلغاء كل ما يتعارض مع القوانين، أم أن مفهوم الإلغاء هذا يعتبر متعارضا مع الحرية ومناقضا لها (مونتسكيو، العروي، أرندت) ؟

درس الحرية – مجزوءة الأخلاق – الفلسفة – الثانية باك

عنوان الدرس : الحرية

المادة : مجزوءة الأخلاق – الفلسفة

الشعب: جميع الشعب (علوم تجريبة وعلوم رياضية وعلوم اقتصادية وعلوم والتكنولوجيات الكهربائية…الخ)

المسالك: جميع المسالك (علوم فيزيائية وعلوم حياة والارض واداب وعلوم انسانية والعلوم والتكنولوجيات الميكانيكية ..الخ)

الطرح الإشكالي

يرتبط مفهوم الحرية بالتخلص من مختلف الإكراهات، سواء كانت من طبيعة بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية …، ونظرا لهذه الجوانب المتباينة التي يحيل عليها مفهوم الحرية، فإن تحديده يطرح الكثير من الصعوبات، فإذا كانت الحرية خصما عنيدا للحتمية، فإن ذلك سيلقي في بها أحضان العفوية والصدفة، إذا أما كانت خاضعة لقانون ما، فهذا سيطرح مسألة الإرادة موضع تساؤل، فالإرادة تستدعي الحديث عن المسؤولية، إذ بدون مسؤولية لا يمكن التحكم في حرية الإرادة، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه من خلال الإشكالات الفلسفية التالية:

  • ما طبيعة العلاقة بين الحرية والحتميةّ؟
  • ما هي تجليات حرية الإرادة؟
  • كيف يؤطر القانون الحرية؟

المحور الأول: الحرية والحتمية

التوازن بين الحرية والحتمية

إن الحرية في – نظر أبو الوليد بن رشد – لا يمكن فصلها عن الحتمية، فالإنسان له قدرة وإرادة يستطيع بهما فعل الخير والشر وباقي الأضداد الأخرى، ولكنه في نفس الوقت محكوم بضرورات مثل قوانين الطبيعة وقوى الجسد المخلوقين من طرف آلله، وهكذا لا يمكن تصور الفعل الإنساني – حسب ابن رشد – حرا بشكل مطلق، ولا مقيدا بشكل مطلق، إنه فعل يتركب من حرية الاختيار والقدرة والإرادة، إلا أنه محدود بقدرات البدن ومشروط بقوانين الطبيعة التي خلقها آلله

الحرية النسبية

إذا كان التفكير الموضوعي الذي ينطلق من الوجود الموضوعي للكائن يذهب إلى أن أفعالنا ينبغي أن تأتي بالضرورة من الخارج، وبالتالي فلا وجود للحرية إطلاقا، وإذا كان التفكير التأملي عند دراسته للوعي، يقر بأن أفعالنا إنما تنبع من الداخل، وهكذا فحريتنا حرية مطلقة، فإن موريس ميرلوبونتي يعتبر أن الحرية عند الإنسان هي حرية نسبية، لأن التعرف على نظام الظواهر يبين لنا أننا مندمجون مع العالم والغير اندماجا وثيقا لا ينفصل، وبناء عليه، فإن الوضعية التي نكون فيها، تلغي الحرية المطلقة عند بداية الفعل وعند نهايته، وفي هذا الوضع يستطيع الإنسان أن يدخل تعديلات إرادية واعية على وضعه المعطى.

المحور الثاني: حرية الإرادة

الأخلاق والإرادة الحرة

لقد اعتبر إيمانويل كانط مجال الأخلاق هو مجال ممارسة الإرادة الحرة لفعلنا، فالإنسان بوصفه كائنا عاقلا يستطيع اعتمادا على إرادته الحرة وضع القوانين العقلية للفعل الإنساني، والخضوع لهذه القواعد، فكل كائن عاقل هو كائن يتمتع بحرية الإرادة والقدرة على القيام بالفعل الأخلاقي، ولا معنى للفعل الأخلاقي في غياب الحرية – حسب كانط – هكذا تشتق الأخلاق من حرية الإرادة.

إرادة الحياة

عندما وجد الحيوان – الإنسان كإرادة حياة في هذا الكون، لم يكن لوجوده أي هدف أو غاية حسب فريدريك نيتشه، لذلك أبدع المثل الزّهدي باعتباره أخلاقا كاملة، لكي يعطي لحياته معنى، وفي رغبته للوصول إلى الكمال الأخلاقي، عمل على نفي الحياة ذاتها من خلال إقصاء كل ما هو مادي، غريزي – حسي في الإنسان، لذلك ين دعا تشه إلى مقاومة المثل الزّهدي بإرادة حرة، تطلب الحياة وتدافع عما هو إنساني في التجربة الإنسانية، أي إرادة الحياة.

المحور الثالث: الحرية والقانون

الدستور كضامن للحرية

إن الحرية في الأنظمة الديمقراطية – حسب مونتسكيو – هي الحق في القيام بكل ما تسمح به القوانين، فإذا كان كل مواطن يستطيع القيام بفعل تمنعه القوانين، فلن تكون له في المستقبل حرية ما دام الآخرون أيضا لهم نفس القدرة على فعل ما يشاءون، إن الحرية السياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة، وبما أن كل سلطة تميل إلى التعسف، ينبغي أن تنظم الأشياء بحيث تجد السلطة نفسها محدودة بسلطة أخرى، ويمكن في هذا السياق أن يصاغ الدستور بحيث لا يلزم أحدا بفعل مناف للقانون، وبأن يسمح لكل مواطن بحق عدم القيام بفعل يخوله له القانون.

السياسة كمجال لممارسة الحرية

إن المجال الذي عرفت فيه الحرية باعتبارها ممارسة فعلية في الحياة اليومية هو مجال السياسة – حسب حنا أرندت –، من المؤكد أن الحرية بمكن أن تسكن أفئدة الناس باعتبارها رغبة، أو إرادة، أو أمنية، أو طموح …، غير أن قلوب الناس مكان غامض، لا يمكن معرفة ما يجري في ظلمته الداخلية، إننا لا ندرك الحرية أو نقيضها إلا عندما ندخل في علاقة مع غيرنا، باعتبارها وضعا للإنسان الحر الذي يسمح له فيه بالتنقل وبالخروج من منزله وبالتجول في العالم والالتقاء بغيره، فلا يكون للحرية تحقق فعلي في العالم الذي يسمح بممارسة الفعل والكلام، مثل المجتمعات الاستبدادية التي تعتقل رعاياها داخل بيوتهم الضيقة، وتمنع بذلك ميلاد حياة عمومية، فبدون حياة عمومية مضمونة سياسيا، لا يمكن للحرية أن تتجلى، إذ ينقصها الشرط اللازم لظهورها وهو المجال العام.

استنتاجات عامة

إن للحرية عند الإنسان تجليات كثيرة تتمثل في عدم خضوعه لغرائزه، بل التحكم فيها من خلال تأجيلها، عكس الحيوان الذي يخضع لها خضوعا ضروريا، كما تتمثل في كونه يمكن أن يقول للشيء “لا” أو “نعم” حسب اختياره، إضافة إلى قدرته على القيام بالفعل ونقيضه حسب رغبته وحرية إرادته، لكن هذه الحرية تبقى محدودة بحدود حريات الآخرين، وبالقوانين المادية (فيزيائية، بيولوجية… )، والظروف التاريخية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية…)، التي يتموضع ضمنها الفرد.

إن الحرية الإنسانية ترتبط بالمسؤولية، ففي غياب هذه الأخيرة تتحول إلى فوضى، لذلك عمل المجتمع على تقنينها بقانون يحدد الحقوق (الحريات) والواجبات.

إذا كان الاستبداد نظاما سياسيا لا توجد فيه إلا الواجبات، وتغيب فيه الحقوق والحريات، وإذا كانت الفوضى حالة تسود فيها الحريات المطلقة في غياب الواجبات، فإن الديمقراطية نظام سياسي معتدل يوجد بين الاستبداد والفوضى حيث ينبني على التوازن بين الحقوق والواجبات بموجب قانون عادل.

درس الواجب – مجزوءة الأخلاق – الفلسفة – الثانية باك

عنوان الدرس : الواجب

المادة : مجزوءة الأخلاق – الفلسفة

الشعب: جميع الشعب (علوم تجريبة وعلوم رياضية وعلوم اقتصادية وعلوم والتكنولوجيات الكهربائية…الخ)

المسالك: جميع المسالك (علوم فيزيائية وعلوم حياة والارض واداب وعلوم انسانية والعلوم والتكنولوجيات الميكانيكية ..الخ)

الطرح الإشكالي

في كثير من الأحيان يجد الفرد نفسه ملزما بالقيام بسلوكات معينة رغم كونها تتعارض مع إحساساته ورغباته الشخصية، وغالبا ما تدفعه بعض المواقف الاجتماعية للتخلي عن حقوقه الذاتية لصالح الواجب الأخلاقي الذي يوجد في كل القيم الأخلاقية، ويضفي عليها طابع الضرورة والإلزام، إلا أن هذا الواجب يطرح قضايا فلسفية مادام يبدو كإكراه مفروض على إرادتنا في بعض مظاهره، وكإرادة حرة تعبر عن ذاتها بتلقائية في مظاهر أخرى، إضافة إلى تعدد أسس الوعي الأخلاقي بين الأساس الذاتي متمثلا في الأحاسيس والمشاعر الفطرية، والأساس الموضوعي الذي يتجلى في المصدر الاجتماعي، وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية:

  • ما هي مظاهر وتجليات الواجب؟
  • ما مصدر الوعي الأخلاقي؟
  • ما علاقة الواجب بالمجتمع؟

المحور الأول: الواجب والإكراه

الواجب كأمر أخلاقي

لا تخضع الإرادة دوما لأوامر العقل – في نظر إيمانويل كانط – لذلك يمارس العقل عليها إكراها، وهذا الإكراه هو الأمر الأخلاقي، وهو نوعان:

  • الأوامر الأخلاقية الشرطية: التي تعبر عن الضرورات العملية لبعض الأفعال التي لا ينظر إليها في ذاتها بل من خلال نتائجها، وهذه الأفعال عبارة عن وسائل لتحقيق بعض الأهداف.
  • الأوامر الأخلاقية القطعية: وهي الأوامر التي ينظر لها من حيث هي غاية في ذاتها، وهي أوامر لها بداهة مباشرة لدرجة أن الإرادة تعرف أن عليها أن تخضع لهذه الأوامر، وهذه الأوامر ذات صبغة كونية وشـمولية.

الواجب كشعور بقدرة

يرتد الواجب – في نظر جون ماري غويو – إلى الشعور بقدرة داخلية معينة تمتاز في طبيعتها على القدرات الأخرى، فأن يشعر المرء شعورا داخليا بما هو قادر على فعله من أمر عظيم، فهذا شعور أول بما يجب عليه فعله، فالواجب إنما هو فيض من الحياة يريد أن يتدفق، لقد ظنوه إلى الآن شعورا بضرورة أو ضغط، وما هو في حقيقته إلا الشعور بقدرة، إن كل قوة متجمعة تحدث نوعا من الضغط على الحواجز الموضوعية أمامها، وكل قدرة تنتج نوعا من الواجب متناسبا معها، فمن المستحيل على امرئ أن يصل إلى غايته حين لا تكون له قدرة على تجاوز هذه الغاية، إن الواجب الأخلاقي – حسب النظرة الطبيعية – يرتد إلى القانون الطبيعي الشامل: إن الحياة لا تستطيع أن تبقى بدون أن تنتشر.

المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

فطرية الوعي الأخلاقي

يوجد في أعماق النفوس البشرية مبدأ فطري للعدالة والفضيلة – حسب روسو – والذي تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير، فنصفها بالخيرة أو الشريرة، وهذا المبدأ يسمى “الوعي”، والذي يتكون من أحاسيس فطرية وهي: حب الذات، الخوف من الألم والموت، والرغبة في العيش السعيد …، ولكن مادام الإنسان كائنا اجتماعيا بطبعه فقد ظهرت أحاسيس فطرية أخرى في علاقته بالآخرين، هكذا يولد دافع الوعي من النسق الأخلاقي، فهناك فرق في نظر روسو بين معرفة الخير ومحبته، فالإنسان ليست لديه معرفة فطرية، لكنه بمجرد ما يدرك الخير بعقله حتى يحمله وعيه على حب هذا الخير، وهذا الإحساس هو وحده الفطري.

الوعي الأخلاقي وقانون الإلزام

لكي يكسب المَدين مصداقية لوعده بالتسديد، ويطبع في ضميره ضرورة التسديد باعتبار ذلك واجبا والتزاما، فإنه – حسب فريديريك نيتشه – يلتزم للدائن بموجب عقد، في حالة عدم تسديد الدين أن يعوضه بشيء آخر مما «يملكه»، مما لا يزال تحت سيطرته، كجسده مثلا أو زوجته، أو حريته بل وحياته، وبفضل «العقاب الموجه» للمدين ينال الدائن كمقابل ذلك الإحساس المشرف الناتج عن تمكنه من احتقار وإهانة مخلوق ما باعتباره شيئا أدنى منه، في نطاق قانون الإلزام هذا يكمن أصل التصورات الأخلاقية في نظر نيتشه، مثل «الخطأ» و «الضمير» و«الواجب» و «قدسية الواجب»، ومثل كل شيء عظيم على هذه الأرض فقد روتها في بدايتها دماء كثيرة ردحا طويلا من الزمن.

المحور الثالث: الواجب والمجتمع

الواجب هو سلطة المجتمع

إن المجتمع – في نظر إميل دوركايم – هو الذي بث فينا حين عمل على تكويننا خلُقيا، تلك المشاعر التي تملي علينا سلوكنا بلهجة آمرة صارمة، أو تثور علينا بمثل هذه القوة عندما نأبى أن نمتثل لأوامرها، فضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع ولا يعبر إلا عنه، وإذا تكلم ضميرنا فإنما يردد صوت المجتمع فينا، ولا شك أن في اللهجة التي يتكلم بها خير دليل على السلطة الهائلة التي يتمتع بها الضمير الأخلاقي.

الواجب كانفتاح على الإنسانية

إن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية حسب هنري برغسون، فيخضع لأوامره، وينقاد إلى واجبات موافقة لقوانينه، ولا نكاد نشعر بما نفعل، ولا نبذل في ذلك شيئا من الجهد، فالمجتمع قد رسم لنا الطريق، فما يسعنا أن إلا نتبعه ونسير فيه حتى يمكن القول بأن الخضوع للواجب يكون في معظم الحالات بأن يرخي الإنسان زمام نفسه، ويستسلم لها، إن المجتمع بهذا المعنى سيؤدي إلى أخلاق منغلقة، لدى دعا برغسون إلى تبني الأخلاق المنفتحة من خلال الارتباط بالمجتمع المفتوح الذي هو الإنسانية بكاملها، أي واجبات الإنسان نحو الإنسان كاحترام حياة الآخرين، واحترام حقهم في التملك.

استنتاجات عامة

ما يميز الواجب الأخلاقي عن الواجبات القانونية هو أن هذه الأخيرة مفروضة على الفرد من خارج ذاته، وتتميز بالإكراه، في حين أن الواجب الأخلاقي نابع من إرادة الفرد واختياره الحر، إن القيم الأخلاقية وإن بدت مثلا عليا وسامية يسعى إليها الإنسان ويطلبها، فإن التاريخ يحدثنا أن عملية نشرها وتنزيلها على أرض الواقع نتج عنها الكثير من الجرائم والفضاعات الإنسانية كالحروب والإعدامات والعقوبات الوحشية، إن الواجب الأخلاقي وإن بدا نابعا من الداخل، فإن مصدره هو المجتمع، حيث تتسرب قيمه الأخلاقية إلى داخل الشخصية الإنسانية من خلال آلية التنشئة الاجتماعية (التربية)، وهي ما يسمى عند سيغموند فرويد بالأنا الأعلى، وهو أحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية.

Ads
Ads AdsAdsAds
Ads