Ads Ads Ads Ads

النص الحواري – تحليل نص ‘الحكاية رقم (62)’ لنجيب محفوظ – درس النصوص – اللغة العربية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :   النص الحواري – تحليل نص ‘الحكاية رقم (62)’ لنجيب محفوظ

سياق النص

أخطاء الحياة الفادحة التي لا يتسنى لها أن تعرف طريقها إلى العلن والتصحيح والتكفير تظل عبئا ثقيلا يرهق الإنسان الحي، حتى إذا أشرف على الرحيل قتله الندم، وعاودته الرغبة في العودة إلى المسار الصحيح، لكن غالبا ما يكون الأوان متأخرا، والتكفير شاقا أو متعدرا. تلك بعض من آفات الحياة التي امتلأت بها المجموعة القصصية لنجيب محفوظ ” حكايات حارتنا ” التي تضم ثمانية وسبعين حكاية تصور مجتمع القاهرة بكل تفاعلاته وتناقضاته. إنها مرآة لنماذج بشرية صادفها نجيب محفوظ في حياته، ويحكي قصتها بكل واقعية وشفافية ترصد الواقع كما هو، فتعري تفاصيله للمتلقي تعرية تروم تشخيص الداء ليسهل علاجه.

ملاحظة النص

إذا أمعنا النظر في العنوان ألقيناه مركبا من لفظ ورقم، يحيل اللفظ على جنس النص بكل ما يختزنه من عوالم سردية، ويحيل الرقم على ترتيب الحكاية داخل المجموعة القصصية، مما يعني أننا أمام قصة قصيرة. وبالنظر إلى المقطع السردي القصير في بداية النص الحواري يتضح أن موضوع الحكاية اجتماعي يصور واقع شخصية ثرية صالحة، لكن صلاحها له سر لا يعرفه أحد، تكشف عنه في نهاية حياتها علها تتخلص من عبئه، لكنها تجني عقوقا ونكرانا، وترحل معها الجريرة تفسد عليها طمانينة الرحيل، وهو ما يفصح عنه آخر ملفوظ في النص.

فهم النص

يتمفصل النص إلى عدد من الوحدات السردية الاتية:

  • تقديم السارد بورتريه للشخصية الرئيسية للنص، قسماته الاساسية ثروة وطيبة وصلاح وعطف على الفقراء والأقرباء، وخاصة آل مهران الذين جنحوا إلى الجريمة والعنف بسبب عوزهم.
  • استدعاء الحاج علي ولده الأكبر لإخباره بكابوس ينغص عليه اللحظات الأخيرة من حياته.
  • الحوار الذي دار بين الأب والابن مبتدئا بمحادثة فيها ود وبر، ومنتهيا بصدمة الابن لحقيقة والده ومصدر الثروة التي نعموا بها في عيش رغيد.
  • موقف الابن من اعتراف الأب سلبي يحمل الأب مسؤولية خطئه ويرفض تصحيح الوضع لما قد يترتب عنه من ضياع حياة الاسرة وتدمير سمعتها.
  • نهاية الحوار بموت الحاج علي الخلفاوي موتا مشكوكا فيه بسبب الرجة التي خلفها اعترافه، والتي أثارت رغبةكبيرة لدى ابنه في التعجيل بدفن سر أبيه معه.
  • نهاية القصة طبيعية بالنظر إلى واقع المجتمع العربي المتردي، وهي مفتوحة على آفاق تأويلية متعددة لاحتمالات موضوعية وفنية يدخل ضمنها رواة الحكاية وتعليق السارد وقناعات القارئ وافتراضات القراءة.

تحليل النص

النص حوار بين طرفين يكشف عن توتر العلاقة بين الحاج علي الخلفاوي وابنه الأكبر مند أن كشف الأب عن فحوى الحلم \ الكابوس الذي يقض مضجعه، ويجثم على صدره، وهو حوار يصنع ماهية الشخصية وصفاتها الأصلية، ويستثمره الكاتب في التكثيف الإيحائي للحدث ولمواقف الشخصيتين وأحاسيسهما في شكل تواصل يقوم على تبادل البث والاستقبال، ونسج أنماط من العلاقة الآخدة في التوتر، وهي علاقة بدأت في النص إيجابية وانتهت سلبية، وأفرزت الكثير من الأنانية والعدوانية من قبل الابن، كما عكست العديد من القيم والمقاصد التي يتعين الانتباه إليها في تغيير مسارات الأمور، وتصحيح انحرافات الشحصية. وطالما أن الحوار في النص مبني على حدث الاعتراف “الصدمة” ورد الفعل المخيب فقد بني بشكل واسع على تبادل الإرسال والتلقي القصير، وتوظيف الجمل الاستجوابية المشحونة بالنفس الانفعالي الحاد المتأرجح بين القلق والندم والاختناق من جهة، والحنق والتجاهل والإنكار من جهة أخرى، والمستثمرة لأساليب الخبر والاستفهام والنفي والاضراب باستعمالاتها المتعددة المباشرة والمنزاحة إلى دلالات سياقية تمثل ذلك الفيض الانفعالي المتناقض بين رغبتي التطهير والخوف من العار؛ ولأن الحوار في هذا النص السردي أسلوب يسمح بتدفق فعل الشخصية في الزمان والمكان تدفقا حيا فقد تخللته مقاطع سردية قصيرة سمحت باختزاله، وطوت بعض مراحل البوح والاعتراف في جمل إخبارية مقتضبة تولى فيها السارد اختصار حوار ثنائي الأبعاد يفترض أنه حمل قصة ثراء العائلة كلها وعلاقتها بخراب آل مهران، وما قد يكون تخلل ذاك الحوار المسكوت عنه من مواقف وأفعال وردود بما فيه من توسل وضراعة وجفاء واحتقار، وهذه المقاطع السردية والوصفية اضطلعت بوظائف متعددة، لعل أهمها تأثيث فضاء الحوار، وتحديد ملامح الشخصيات ووصف حركاتها وتعيين مواقفها، وتحريك الحدث والإيهام بواقعيته، وترتيب أجواء الصراع، وصناعة الحبكة.

ساهم الحوار في النص في تمثيل مواقف الشخصيات المتحاورة عبر تحقيق جملة من الوظائف أهمها الوظيفة التواصلية التي تسعف في تصوير الصراع الذي دار بين شخصيتين: الأولى تريد تصحيح خطئها، والثانية تصر على حماية موقعها ولو اقتضى الأمر دفع الأب إلى الجحيم، كما تسعف في الكشف عن أنماط التفكير والتصرف إزاء المواقف الحرجة واللحظات التي تخلق الأزمة، وتعالج فيها الخطيئة بالخطيئة بناء على حسابات واقعية نفعية، وفي رسم صورة واضحة للشخصيات المتحاورة في أبعادها الحسية والاجتماعية والنفسية التي لا تشد عن أفقها المألوف والواقعي مما يمنح القصة حيوية وإثارة.

يتمحور الحوار في النص حول موضوع الخطيئة والندم والعقاب المرتبط بها في حياة مبنية على أساس هش ينذر بلعنة تحرق الحرث والنسل. وقد عرض الكاتب هذا الموضوع في إطار درامي متشابك ساهم في بلورة أبعاده فضاء الحوار غير المحدد، وزمانه الذي لم يلتفت إليه الكاتب سوى أنه مرتبط بإحساس الشخصية الرئيسية بدنو أجلها في حكاية تنتمي إلى الماضى وتستمر على لسان أهل الحارة في الحاضر،فلا نعرف فيه ليلا ولا نهارا، ولا يوما ولا شهرا مما يتلاءم بشكل عضوي مع تضخيم الإحساس المهيمن على الشخصيتين في النص، ويسمح بانبثاق فضاء مفتوح ومغلق في نفس الوقت، حميمي وعدائي معا، ينطلق من سرير الحاج علي الخلفاوي في غرفة شاسعة في دور من أدوار بيت كبير إلى مكان ما في الماضي والمستقبل، ويضيق الخناق على الشخصية هو والزمن الحرج المنذر بالرحيل. وهكذا يكتسي الزمن والمكان دلالات نفسية دراماتيكية يحاول أحد أطراف الحوار فتحهما ويصر الثاني على إحكام إغلاقهما بكل المصاريع، ولكل منهما منطلقاته وأهدافه، والحسم للأقوى والأيفع والأكثر قدرة على المكر وسرعة في الحركة.

لكل من الشخصيتين المتحاورتين في النص سمات مرتبطة بالوظائف والدوافع التي تحركها، وهي سمات تختزل حركاتها وطريقتها في التعبير عن مواقفها ورغباتها وأحاسيسها، ويعكس المعجم المستثمر في النص هذه السمات المتنافرة والمتقاطعة أحيانا، فبين معجم القيم الإيجابية التي مثلتها وظيفة الحاج علي الخلفاوي كرجل موسوم بالصلاح والطيبوبة والكرم ورعاية المحتاجين، ووظيفة ولده الذي بدا قبل الاعتراف ودودا عطوفا متواصلا إيجابيا مع والده، ومعجم القيم السلبية التي مثلها ماضي الحاج علي الخلفاوي وموقف الابن من الاعتراف، ورد فعله تجاه الأزمة، وأفعال شخصيات عابرة موسومة بالقبح والانحراف، ينبثق معجم الحالات النفسية المتوترة للشخصيتين المتحاورتين المعبر عن وعيهما الخاص، ولا وعيهما أيضا، وتقديرهما للحدث \الأزمة، وعواقبه المختلفة عند كل منهما بما يعلن عن الهوة العميقة التي أصبحت تفصل بينهما على مستوى التفكير والرغبة والإحساس. هذا التنوع في الحقول المعجمية الناجم عن تغير الأدوار والوضائف يخلق ثراء دلاليا يلامس كنه الطبيعة البشرية غير المستقرة.

تركيب وتقويم

يسعى الحوار في النص إلى سبر أغوار الشخصيتين في أبعادهما الإنسانية لحفزهما على البوح برؤاهما وتصوراتهما، بوحا يلامس شروخا عميقة في نفسية الإنسان المتلبس بالخطيئة، المدرك بشكل من الأشكال لجوهره الضعيف وتركيبته غير السوية، المصر على العناد والأنانية والتماطل والعقوق والجزع حفاظا على وضع يصعب التضحية به، ويستحيل معه الرجوع إلى الوراء، وتعاملا مع الواقع بنوع من السلوك وشكل من التصرف يختزل التصحيح في طي الصفحة وكنس الخطر، وتحميل السلف مسؤولية أفعال الخلف في أوضاع هشة تتفشى فيها القيم الرديئة، وتندر قيم البطولة والتضحية.

وقد عرض النص هذه الصورة في حدث شديد الاختزال، وشخصية تصدعت هويتها وغرقت واقعها واختارت مصيرها، وزمن نفسي مزدوج الأبعاد يختلط فيه الحنق بالتوسل والرحمة بالغلظة، وسارد متكلم عالم بخبايا الحكاية وأوضاع القوى الفاعلة، ولغة مباشرة تتوزع بين الإخبار والإنشاء الممسوسين بعبارات دافئة حينا وموجعة آخر، ومعجم يذهل المتلقي بما يفجره من تشويق وإثارة.

النص الحواري – مدخل مفاهيمي – درس النصوص – اللغة العربية – جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :  النص الحواري – مدخل مفاهيمي

مفهوم النص الحواري

هُو نوعٌ من أنواعِ النصوص الأدبية التي تحتوي على حوارٍ بين شخصين، أو أكثر، والهدف منه توصيل فكرةٍ ما إلى الشخص الذي يقرأ النص الحواري، وأيضاً يعرفُ النص الحواري بأنه وسيلةٌ من الوسائل المستخدمة في توضيح موضوعٍ ما بالاعتماد على وجود حوارٍ ينقلُ الأفكار المرتبطة بالموضوع بأسلوبٍ واضحٍ.

عادةً تستخدم هذه الأنواع من النصوص في المحاضرات الدراسية، والتي ترتبطُ بتعليم لغةٍ جديدةٍ، أو الدورات التدريبية التي تعتمدُ على مهارات التواصل، والحوار بين الأفراد، وأيضاً يستخدمُ النص الحواري في مسودات النصوص المسرحية، والسينمائية التي يتدربُ عليها الممثلون، أو أثناء إعداد نصوص الحوارات الخاصة باللقاأتِ التلفزيونية، والصحفية.

خصائص النص الحواري

يتميزُ النص الحواري بمجموعةٍ من الخصائص، وهي:

  • يحتوي على حوارٍ واضحٍ، ويشمله تفاعلٌ بين شخصيات الحوار.
  • يبدأُ النصُ الحواري باسم المحاور الأول، ومن ثمّ أسماء باقي المشاركين في نص الحوار.
  • يعتمدُ أسلوب النص الحواري على تبادلِ الأسئلة، والإجابات حول الموضوع الرئيسي للنص.
  • لكُلِ فقرةٍ حواريةٍ في النص الحواري فكرةٌ فرعيةٌ خاصةٌ بها، ومرتبط مع الفكرة الرئيسية للحوار.
  • قد يضمنُ النص الحواري دلالاتٍ لفظيةٍ حول أداء المشاركين في الحوار، وعادةً تستخدمُ هذه الدلالات من أجل توضيح المواقف المرتبطة بالانفعالات التي تظهرُ على تصرفات الشخصيات أثناء الحوار، مثل: الابتسامة، أو الحزن، أو غيرها.
  • يلتزمُ بقواعد اللغة المكتوبة بها التزاماً دقيقاً، حتى يتمكنَ من توصيل الفكرة الخاصة به للقُراء، أو المشاهدين بطريقةٍ مفهومة، وواضحة.

أنواع النص الحواري

تصنفُ النصوص الحوارية بناءً على الأنواع التالية:

النص الحواري الكامل

هو من أكثر أنواع النصوص الحواريّة استخداماً، ويطلق عليه اسم نصٍ كاملٍ؛ لأنهُ يحتوي على كافةِ العناصر الأساسية للحوار، والنقاش القائم بين المتحاورين، وأيضاً يتضمن قضيةً واحدةً تتم مناقشتها في كافة الحوارات المُتبادلة، ولا يتم الخروج عنها مطلقاً، أو التطرق لقضيةٍ غيرها، ويستخدمُ عادةً هذا النوع من النصوص في مختلفِ المجالات الحوارية.

النص الحواري الناقص

هو من أنواع النصوص الحواريّة التي يُعتبرُ نصها ناقصاً، أي يحتوي على موضوعٍ عامٍ للنص، ولكنّه لا يحتوي على حوارٍ كاملٍ، وأغلب أفكاره ناقصةٌ، وغير كاملة وتحتاجُ أحياناً لقراءة الفقرات، أو الحوارات الأخرى داخل النص حتى يتمكّنَ القارئ من فهمِ الأفكار الناقصة في الفقرات الحوارية، ويستخدمُ هذا النوع من النصوص الحوارية في التدريبات الدراسية التي تعتمدُ على إكمالِ الحوار بين المُتحاورين، وفي بعضِ أنواع الرّوايات الأدبية.

النص الحواري المُباشر

هو النص الحواري الذي يرتبطُ بالحوارات التي تحدثُ بشكلٍ مُباشرٍ، وعادةً يطبق هذا النوع من الحوارات في الإذاعات، والقنوات التلفزيونية، ويعتمدُ على مشاركةِ ضيفٍ في الحوار الذي يديره المذيع، ويحتوي هذا النوع من النصوص الحواريّة على العديدِ من الأسئلة التي يرتّبها المذيعُ مسبقاً من أجل طرحها على الضيف ليحصلَ على إجاباتٍ، أو تفسيراتٍ لها.

النص الوصفي تحليل نص الجالس في الحديقة ينتظر لرضوى عاشور– درس النصوص – اللغة العربية

المستوى: جدع مشترك آداب وعلوم إنسانية جدع مشترك أصيل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس :  النص الوصفي – تحليل نص ‘الجالس في الحديقة ينتظر’ لرضوى عاشور

سياق النص

يلتقط النص الحكائي الوصفي لحضات من الحياة، فيتغلغل فيها عارضا حركة وسكونا ويفاعة وذبولا يمر عليها الناس فلا يعيرانها أدنى اهتمام، ويسلط عيلها الروائي أجهزته الإدراكية النافدة والحساسة وأدواته الفنية الخلاقة فيصنع منها صورا إنسانية غزيرة المعنى بليغة التأثير. ذلك ما حاولت ” رضوى عاشور” التقاطه من زحمة الحياة حيث أثر فيها منظر رجل طاعن في السن يجلس على مقعد في الحديقة بلا حراك كانه منفصل عن العالم.

ملاحظة النص

يبدا الحكي بجملة في النص ” في البدا لم أنتبه…” وينتهي بجملة ” ألقيت نظرة خاطفة…” ليؤشر على نوع من العلاقة بين الملفوظ الاول والأخير تمثلها الصورة التي رسمتها الراوية للرجل الجامد على المقعد في الحديقة بين الانتباه العارض والقلق المثير بشأن حالته والإعراض المعلن عن استعادة التوازن النفسي الذي خلخله العنصر المثير في الحكاية. وهو ما يدل على بعضه العنوان المركز على فعل الانتظار، والمستضمر لحالة المنتظر التي يكشف عنها السرد والوصف في هذه القصة القصيرة المأخوذة من المجموعة القصصية ” رأيت النخل” لرضوى عاشور الناقدة والروائية المصرية المتميزة.

فهم النص

يتمفصل النص إلى حزمة من الوحدات السردية والمقاطع الوصفية الاتية:

  • عدم انتباه الساردة إلى الرجل الغريب الجالس على المقعد قبالتها، لأنها كانت منهمكة في اللعب مع طفلها، ولأن الشيخ الهرم كان جامدا في مكانه كأنه قطعة من الحديقة.
  • وصف الروائية فضاء اللعب الفسيح بكل مكاوناته الطبيعية من شمس وسماء وأشجار ومقاعد خشبية.
  • وصف أجواء المرح والصخب والركض والقفز ورمي الكرة والتقاطها التي انخرطت فيها الساردة مع طفلها.
  • اكتشاف الساردة وجود رجل طاعن في السن جالس قربها بلا حراك أفقدها التركيز في اللعب، وأثار تبرم الطفل.
  • الخواطر التي دارت بخلد الساردة بخصوص منظر الرجل وحاله المثيران للارتباك والحيرة والقلق جعلتها تفكر في مغادرة الحديقة.
  • استغراق الساردة في وصف حالة الرجل المنتظر انطلاقا من هواجسها، وتداعيات تاثير منظره الكئيب على الاحداث وعلى نفسية الشخصية.
  • استعادة الساردة اجواء المرح واللعب مع طفلها بكل العزم المطلوب بعد تخلصها من أثر نظرتها إلى الرجل المسن.

تحليل النص

في النص حدث واحد يتمحور حول انشغال الساردة بوجود رجل مسن غريب نبت فجأة في فضائها الحميمي القريب جامدا لا يتحرك أثناء انهماكها في اللعب الكرة مع طفلها، وبين لحظتي هذا الحدث المشكلتين للبداية والنهاية ينتشر الوصف فيحيط بكل الحركة والسكون والانفعال الذي يرين عن اللحظة ويملأالمكان. والوصف في هذا النص مزدوج الأبعاد، فهو تفسيري وإيحائي يدفع بتفاصيل الحدث دفعا وئيدا إلى نهاية اللحظة المسرودة من جهة، وجمالي إبداعي بما يختزنه من قدرة على التقاط المرئي واللامرئي، المحدود واللامحدود، وتصديره إلى المتلقي في توليفة سردية معبرة ومؤثرة من جهة اخرى.

يغلب على الوصف في النص أنه ذاتي يسقط الكثير من مشاعر الساردة المتماوجة بين إيقاعين: صخب مرح وقلق مربك، هكذا تتناسل صور الموصوفات في ذهن الواصفة مستلهمة من الواقع والممكن والمتخيل، مفجرة الكثير من الهواجس التي تنتاب الإنسان فتوجه حركاته ايجابا أو سلبا، أو تعيده إلى نقطة الصفر مستعيدا توازنه، طارحا كل العوارض خلف ظهره مستمرا في الحياة وكأنه لم ير ولم يسمع.
– يهيمن على الوصف في النص المدرك بالبصر والاحساس الباطني؛ مما يضعنا أمام نوعين من الوصف: مادي محسوس ومعنوي غارق في تتبع الهواجس والبلابل وتوقع الأحوال النفسية المرتبطة ببعض القرائن الظاهرة، وهو أمر منح النص الكثير من الحيوية والعمق والاستبطان الذاتي الذي يدفع المتلقي إلى خلق عوالم موازية للصور التي يبثها الوصف، فيتسع النص وينفتح مع القراءة والتلقي، ويصبح أكثر تأثير وجمالا.

يقوم الوصف في النص بتوسيم الشخصية والأشياء والحالات والأمكنة مستخدما تعابير وتشبيهات ونعوثا وأحوالا تلائم الموصوفات وزوايا الوصف وطبيعته، فهي موضوعية واقعية دقيقة حين تمس المظهر الخارجي أو الحركة المنظورة، وهي شفافة كثيفة موحية حين تلامس الأحاسيس والأفكار والمواقف، لذا كانت الساردة دقيقة في وصفها للطفل والرجل والحديقة متخذة زاوية للوصف مكنتها من التقاط أدق تفاصيل الجسد والحركة والسكون، وكانت مقتحمة للمجهول في مغامرة وصفية تحاول أن ترتاد بها عنان السماء حيث تحلق الكرة منفلتة من قانون الأرض، أو باطن الأرض الذي تضرب جذور الأشجار في أعماقه، أو مجاهل التفكير في هوية رجل ساكن لا تقول شيئا غير أنه هرم ينتظر.

الضمير المستخدم في الوصف هو ضمير المتكلم؛ مما يعني أن الساردة طرف في الحكاية وشخصية من شخصياتها، تقود مهمة السرد والوصف، وتهيمن على مقاطع الحوار الداخلي والخارجي صادرة عن رؤية سردية تبدو مصاحبة تحاول أن تستنطق الواقع الموصوف وتستكنه حقيقته، فلا تجد غير هواجسها وأسئلتها مادة للتفسير والقراءة والتأمل؛ غير أن تدخلاتها في تكييف الصورة الواقعية وتلوينها بالظلال النفسية وآلفكرية التي تستبد بها جعل الوصف ذاتيا، وصنع من اللحظة الموصوفة انشغالا فكريا وعاطفيا للساردة بامتياز، يطرح فعلا مسرودا وواقعا موصوفا موضوعا للانشغال الإنساني بقضية الشيخوخة وما تفرزه من وحدة وعزلة وكآبة وعجز وانفصال عن العالم، على الناس أن يعيدو النظر في مواقفهم إزاءها حتى لا تظل نشازا في جسم الإنسانية الذي يفترض أن يكون متآلفا ومتناغما ومتضامنا.

تركيب وتقويم

تطرق القصة موضوعا اجتماعيا يشغل بال الأدباء والمثقفين والفاعلين الاجتماعيين، ويتعلق بفئة من الناس قدمت زهرة عمرها خدمة للجيل الصاعد، ثم وجدت نفسها في شيخوختها تقاسي مرارة الوحدة والعزلة والانكماش والاكتئاب، تنزوي وحيدة في فضاء عام تنتظر انسلاخ الليل من النهار، وتلوذ بالفراش ترقب انبلاج الصباح مستغرقة في تأمل طويل وصمت ثقيل وجمود مريع، تنظر إلى العالم حولها بعين الماضي، ويمثل الموت لها المستقبل المنظور. تلك بعض من البلابل التي خامرت دخيلة الساردة، وهزت أركانها النفسية وهي تبلور صور المسن الهرم الجالس كنصب منحوث على مقعد في الحديقة حيث كانت تمرح وطفلها. ولعلها استحضرت أياما قادمة تجلس هي الأخرى نفس المجلس، فراعها ذلك وكدر يومها المرح، وودت لو تعلم ما الذي يقعد الرجل هناك؟ ومن أين اتى ؟ وماذا ينتظر ؟ ومن أهله ؟ وهل من سبيل لإخراجه من دوامة الصمت والجمود؟

صاغت ”رضوى عاشور” هذا الموضوع في قالب سردي قصير انصهرت فيه مكونات السرد انصهارا جميلا ومؤثرا تداخلت فيه عوالم الحركة الظاهرة والباطنة، واتحد الزمان والمكان في نسق واحد، وطال الوصف كل شيء، وبدت الساردة جزأ ملتحما بالعالم الموصوف والمسرود يكشف عن رؤية مصاحبة تبعث إلى المتلقي رسالة مؤداها ألا مناص من الشيخوخة، وأن الحياة تستمر محتفية بالبراعم والأغصان النضرة، فلا أقل من اعتراف بالجميل واهتمام بالجذور.

Ads
Ads AdsAdsAds
Ads