Ads Ads Ads Ads

المنهج البنيوي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج البنيوي’ لصلاح فضل دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المنهج البنيوي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج البنيوي’ لصلاح فضل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية القراءة

تمردت التيارات البنيوية العربية على المناهج التفسيرية (التاريخية والنفسية..)، وانطلقت من تصور جديد لكيفية قراءة النص الأدبي معتمدة أطرا مرجعية ومفاهيم ومصطلحات خاصة، متأثرة بمناهج النقد الغربية، فأصبح النص الأدبي ذاته موضع بحث علمي، وأقصي ما دعته البنيوية بخارج النص.

وتعود نشأة المنهج البنيوي إلى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، مع دوسوسير الذي أسس للقطيعة مع المقاربات التقليدية للغة. والشكلانيين الروس الذين أسسوا لمقولة البحث عن أدبية النص. و”حلقة براغ” ونظرية التواصل. واكتمل تبلور هذا المنهج مع رواد البنيوية في الغرب، كرومان ياكوبسون وكلود ليفي ستراوس وجيرار جنيت وغريماس..

والبنيوية منهج وصفي تحليلي في قراءة النص الأدبي يهتم بالعالم الداخلي للنص الأدبي في بنياته اللغوية والفنية والرمزية، ويعتبر النص الأدبي متوالية من الجمل، يجب أن تدرس صوتيا ومعجميا وصرفيا وتركيبيا أو نصيا، ويُبحث عن العلاقات والقوانين الباطنية التي تحكمه، فالنص بنية مغلقة على ذاتها يجب أن تدرس من داخلها.

اهتم بالمنهج البنيوي في العالم العربي نقاد مثل : عبد السلام المسدي، وجمال الدين بن الشيخ، وعبد الفتاح كليطو، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد بنيس، ومحمد مفتاح، وصلاح فضل المولود سنة 1938 بكفر الشيخ بمصر، مجاز في الأدب عام 1962، حاصل على دكتوراه الدولة من جامعة مدريد سنة 1971، اشتغل مدرسا بالجامعة، ومستشارا ثقافيا لمصر بإسبانيا، فعميدا للمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، فاز بالعديد من الجوائز التقديرية المصرية والعربية، ألف في النقد الأدبي ونظرية الأدب والنقد التطبيقي والترجمة، خلف عدة آثار منها (بلاغة الخطاب وعلم النص)،(تحولات الشعرية العربية)، (مناهج النقد المعاصر) الذي أُخذ منه النص موضوع درسنا.

الملاحظة وصوغ الفرضية

عنوان النص “المنهج البنيوي” مركب اسمي يتكون من مصطلحين: “المنهج ” وهو عملية نقدية منتظمة، تستند إلى إطار نظري لقراءة النص وفق مبادئ مضبوطة، و” البنيوي”، وهو نعت يُضمر مفهوم “البنية”، اقترن بياء النسبة للدلالة على صفة تخصيصية للمنهج أمام تعدد المناهج النقدية في دراسة الأعمال الأدبية. و”المنهج البنيوي” منهج نقدي يتعامل مع النص كبنية لها قوانينها ومبادئها المنظمة لعناصرها كنسق كلي، تستقل دلالته عن الخارج.

”النظرية البنيوية” ؛ ”البنية الدلالية للقصيدة” ؛ ”الواقع هو النص الأدبي ذاته”: مشيرات نصية يجمع بين كونها تنتمي إلى المقاربة البنيوية للنصوص الأدبية، باعتبارها تبحث في المبادئ المنظمة للدلالة في النص، وهي مقاربة تستند إلى إطار نظري بنيوي تستمد منه المفاهيم والأدوات الإجرائية لقراءة النصوص.

من خلال الملاحظات السابقة نفترض أن النص يستعرض المنهج البنيوي : أسسه، خصائصه وأهميته ن ويطرح إشكالية إمكانات المنهج البنيوي ومميزاته مقارنة مع غيره من المناهج التفسيرية. فما القضية المطروحة في النص ؟ وما المفاهيم المؤطرة لها ؟ وما مرجعية الكاتب فيها ؟ وما طرائق عرضه للقضية ؟ وما مقصديته من طرحها ؟

الفهم

وحدات النص الفكرية :

1) تمثلت إرهاصات المنهج البنيوي (في النصف الأول من القرن العشرين) في حقل الدراسات اللغوية باعتباره طليعة الفكر البنيوي.

2) حدد البنيويون مجال عملهم، فأكدوا أن موضوع الأدب هو العالم الذي يحيا فيه الأديب المبدع، وأن موضوع النقد هو الأدب وليس مرجعه الخارجي بأبعاده الاجتماعية والسياسية والتاريخية. لقد رفضوا القراءة الإيديولوجية للأدب، التي تُعيق الوقوف على كيفية اشتغال النص الأدبي، لأنها تحتكم إلى معايير مسبقة تحجب إدراك كيفية أداء الأدب لوظائفه التعبيرية والجمالية.

3) استند المنهج البنيوي إلى أسس نظرية تمثلت في تيارات العلم الحديث، خاصة منها :

  • الفلسفة الظاهراتية: لا تهتم بالجانب الميتافيزيقي الغيبي في دراسة الأشياء، وتركز على ما يتجلى للإدراك في لحظة معينة
  • علم اللغة : وهو مصدر أهم مصطلحات المنهج البنيوي، ومفاهيمه ومنها مصطلح البنية الذي نشأ في علم النفس موازيا لفكرة (الجشطالت أو الإدراك الكلي)، وفي الأنثروبولوجيا (إدراك نظم العلاقات في المجتمعات البدائية)، وفي علم اللغة.

4) تبلور مفهوم البنية في عدة قضايا، تخص مجال النقد، يمكن ترتيبها كالتالي :

  • الأعمال الأدبية تمثل كُلية باعتبار دلالتها ترتبط بهذا الطابع الكلي لها ؛ ( فالبنية الدلالية للقصيدة مثلا، ليست هي حصيلة أجزائها، بل تُبنى من مستويات تخترق هذه الأجزاء، وتتغلغل فيها وتشتبك معها، إنها مُحصلة مجموعة من البُنى [كالبنية الإيقاعية، والتركيبية، والتعبيرية، والتخييلية التي تصل إلى ذروتها في المستوى الرمزي الكلي] ).
  • هدف البنيوية هو الوصول إلى فهم المستويات المتعددة للأعمال الأدبية ودراسة علائقها وتراتبها والعناصر المهيمنة على غيرها وكيفية تولُّدها، ثم كيفية أدائها لوظائفها الجمالية والشعرية، مما جعل البنيويين يُطلقون شعار “موت المؤلف إشارة إلى وضع حد للتيارات النفسية والاجتماعية.
  • رفض أحكام القيمة الخارجية وإحلال حكم الدلالة والوظيفة والقيمة للمكون النصي :أي ما ينبثق منه وما يتجلى فيه من قدرة وإنجاز.

5) أهمية المنهج البنيوي، ومقارنته بغيره في الغرب والعالم العربي :

  • منذ السبعينيات من القرن العشرين غزت المصطلحات البنيوية بقية الحقول المعرفية (الماركسية ـ الوجودية …) لترسيخ التطور المفاهيمي والمعرفي للفكر النقدي الغربي، وشكلت الإطار العام للفكر والثقافة لتنمية مبادئ تلك الحقول المعرفية، وتدارك نقائصها.
  • في العالم العربي شكلت البنيوية مُنطلقا لتحديث الخطاب النقدي.

التحليل

الإشكالية المطروحة

تتعلق إشكالية النص بخصائص المنهج البنيوي وأسسه النظرية في قراءته الوصفية التحليلية للنص الأدبي. فهو منهج يتميز بكونه ينظر إلى موضوع النص من خلال الواقع الكامن فيه، والذي يُتوصل إليه من زاوية مستوياته المتعددة التي تخترق أجزاءه، ودراسة علائقها وتراتبها والعناصر المهيمنة، وتكشف دلالته المرتبطة بطابعه الكلي، والتي تحددها المبادئ والقوانين المنظمة لنسقه الكلي. ثم كيفية تولدها وأدائها لوظائفها الجمالية والشعرية. ومن هنا رفض أحكام القيمة، وتبني حكم الواقع، واقع النص.

المفاهيـــم

حقل النقد التفسيري (خارج النص)حقل النقد الوصفي (داخل النص)
علاقة الأدب بالحياة – إيديولوجيات – نظريات مرتبطة بجوانب سياسية أو اجتماعية أو تاريخية – منطق إيديولوجي – معايير مُسبقة – حقيقة جوهرية فلسفية – نظرية في الحياة – المستويات الخارجية – الميثولوجيا القديمة – الماركسيين والوجوديين – تنتمي إلى المنهج الاجتماعي – النفسي..ميتا لغوي – لغة النقد تسبح فوق لغة النص – النقد الأدبي – علم للأدب – الوظائف التعبيرية والجمالية – الرموز المتماسكة في الأعمال الأدبية – نظرية في ظواهر الإبداع الأدبي – الظاهراتية – نقد الأدب نوع من العلم الإنساني – علم اللغة / الغطاء النظري للبنيوية – البنية – الجشطالت – علم اللغة – الأعمال الأدبية تمثل أبنية كلية – البُنى الجزئية – البنية الدلالية للقصيدة – مستويات الأعمال الأدبية – دراسة العلائق وتراتبها – العناصر المهيمنة على غيرها – كيفية تولدها – الوظائف الجمالية والشعرية – موت المؤلف – حكم الواقع – النص ذاته – رفض أحكام القيمة الخارجية – ما ينبثق من النص..

لقد تحكمت في بناء المعجم علاقة التعارض بين التصورين :

  • الدراسة الخارجية التي تؤمن بمفهوم المرآوية والانعكاس، وإن كان الاختلاف في المحيل عليه (الفرد أو الجماعة أو المحيط).
  • الدراسة الداخلية للنص التي تنطلق من كون النص الأدبي لا يعكس إلا ذاته.

نلاحظ هيمنة المصطلحات المتعلقة بالمنهج البنيوي تمشيا مع رغبة الكاتب في تقديم التصور الجديد الذي يستند إليه المنهج البنيوي في النقد الأدبي؛ وذلك لأن الأمر يتعلق برصد أسس المنهج البنيوي وتأصيله وإبراز أهم مفاهيمه وبيان أهميته ومميزاته مقارنة مع غيره.

تُستمد المفاهيم من حقول علمية عديدة مثل: اللسانيات التي كانت المنطلق لكثير من المقاربات (الشكلانية، الأسلوبية، الشعرية، السيميائيات..) يجمعها قاسم مشترك، اصطلح على تسميته بالقراءة البنيوية، ومن التاريخ والاجتماع. وقد لعبت هذه المفاهيم دورا هاما في إضاءة القضية المطروحة في النص، والكشف عن إمكانات المنهج البنيوي، وجرد مميزاته.

القضايا المتفرعة عن الإشكالية

تفرعت عن هذه الإشكالية بعض القضايا النقدية، منها:

  • مفهوم البنية نظريا ووظيفيا : حيثـ يُنظر إلى العناصر باعتبارها مكونات ضمن معمار النص، تتميز بطابعها الدلالي الذي يُبرز كيف يأتي المعنى إليه. ويخضع معمار النص من حيث تحديده، وطريقته في التدليل والاشتغال، إلى مختلف المفاهيم الإجرائية التي تحدد المنهج الذي تتبناه النظرية بوصفها جهازا واصفا، له كفاياته المخصوصة، وطريقته في الاستدلال عموما. ويختلف المعمار من هذا المنظور باختلاف الإطار النظري الذي يستند إليه في التحديد، ومن تم فهو، منظورا إليه باعتباره تركيبا للنص، تنتظم فيه المعطيات اللسانية لبناء النسق الدلالي العام. والعمل الأدبي ليس أجزاء مستقلة متجاورة، بل هو عناصر مترابطة بعلاقات متكاملة، تتفاعل فيما بينها وظيفيا، تتسق ضمن الوحدة الكلية للنص، حتى أن كل تغيير في العنصر يترك أثره على البنية كلها. فدراسة هذه البنية في ذاتها عبر التوصيف هو ما يمكن من الوقوف على جمالية النص أو أدبيته.
  • مقولة موت المــــؤلـف : شعار “موت المؤلف الذي أطلقه رولان بارت إشارة إلى وضع حد للتيارات النفسية والاجتماعية.
  • اعتبار عالم النص الأدبي عالما مُغلقا : عالم النص الأدبي داخلي مُغلق في بنياته اللغوية والفنية والرمزية ؛ والجمالية في النص الأدبي تتجلى في حركة العناصر من حيث هي عناصر مختلفة في ما بينها، ومن حيث كونها تنسج في حركتها أنساقا من العلاقات المتنوعة. الجمالية مكمنها النسيج وقدرة العناصر على توليدها نسقا متميزا ينهض بالبنية ويصل بها إلى نمذجة النظام وإلى وضعه على مستواه الصافي الشفاف حتى الخفاء واللاحضور أو حتى الإيهام باللانظام أو بالعفوية.

وهكذا فالعلاقة بين القضايا المتفرعة عن القضية الأساس (خصائص المنهج البنيوي) هي علاقة تكامل وإيضاح، يسعى الكاتب من ورائها إلى إضاءة قضية النص.

الإطار المرجعي

الإطار المرجعي الذي استند إليه الكاتب يؤول إلى:

  • الدراسات اللسانيـة : “العلم الذي يدرس اللغة في ذاتها ولذاتها” بتعبير دي سوسير في كتاب “محاضرات في علم اللسان العام”، فكان هذا بداية النظر إلى اللغة نظرة جديدة تقوم على دراسة اللغة باعتبارها نسقا ونظاما عناصره الأساسية هي : الصوت، المعجم، الصرف، التركيب، والدلالة، واعتبارها أداة للتواصل.
  • حركة الشكلانيين الروس : التي أطلقت مقولة البحث عن أدبية النص، في العناصر النصية والعلاقات المتبادلة بينها والوظيفة التي تؤديها في مجمل النص، وتعاملت مع الشعر الرمزي، ووقفت على جماليته انطلاقا من شكل المضمون، وجسدت في أبحاثها المرحلة الأولى للمنهج البنيوي قبل تطوره، فروادها هم أول من بحث في القوانين الداخلية للنصوص الأدبية.
  • حركة ” براغ ” : خاصة رومان ياكبسون في كتابه : “قضايا اللغة الشعرية”.
  • الفلسفة الظاهراتية : مع” إدموند هوسرل، فلسفة ” لا تهتم بالغيبيات والمتافيزيقا بل بالعلم، بالجوانب التي تدرك، وبالكيفية التي يُنجز بعا العمل.
  • الفلسفة الوضعية: التي سارت في اتجاه الموضوعية والاستقصاء العلمي التجريبي.

إن غنى المعجم وتناسل القضايا والمفاهيم يدل على تنوع المرجعية النظرية للمنهج البنيوي. مثل نظرية الجشطلت التي نظرت إلى لشعور على أنه بنية مركبة ومتداخلة العلاقات فيكون الإدراك كليا : إدراك الكل قبل الجزء، وبعض التيارات اللسانية التي تعتبر اللغة نظاما من العناصر (المستويات: الصوت، المعجم، التركيب…) وتدرسها في ذاتها دراسة وصفية.

طرائق العرض

انسجاما مع طبيعة هذا الخطاب شيد الكاتب نظامه التفسيري متوسلا بعدة أساليب للتفسير، منها : التعريف : “كان الغطاء النظري للبنيوية هو علم اللغة “، والمقارنة : “المبدع يرى العالم ويكتب عنه، لكن الناقد ليس له علاقة مباشرة بهذا العالم”. كما قارن بين المنهج البنيوي والمنهج الاجتماعي والنفسي، وبين لغة الأدب ولغة النقد، والتمثيل : ” فالقصيدة لا تصبح مجرد مجموعة من الأبيات بل تبنى من مستويات تخترق هذه الأجزاء..”، والسرد” كان قد نشأ في الأنتروبولوجيا…..ونشأ في علم اللغة….. وأصبح…. في النقد الأدبي”، ويتجلى دور هذه الأساليب في الإقناع بجدوى المنهج البنيوي من خلال التعريف به، وتحديد ماهيته، وجرد خصائصه، وبيان أسسه بأسلوب استدلالي يجعل أطروحة الكاتب مُقنعة متماسك بناؤها، متسقة لغتها.

واعتمد الكاتب تصميمين منهجيين :

  • الجرد، حيث عرف المنهج البنيوي بتحديد ماهيته وجرد خصائصه، ووصف مرجعياته النظرية، مقارنته مع غيره.
  • التعاقب الذي يحترم المسار التاريخي لتطور النظرية البنيوية، بدأ من الإرهاصات الأولى في حضن الدراسات اللغوية، وصولا إلى مرحلة التبلور بعد تطوير العدة المفاهيمية وتحويلاتها الإجرائية في العلاقة بين النظرية والممارسة النقدية.

وتحقيقا للإقناع توسل الكاتب بأنواع من الحجج منها :

  • الحجة البرهانية التي تفيد اليقين كقوله :” لأن هذا الحقل (الدراسات اللغوية) كان يمثل طليعة الفكر البنيوي”.
  • الحجة الجدلية التي تقارب اليقين وتلزم المخاطب من مثل قوله : ” فإذا كان موضوع الأدب هو العالم فإن موضوع النقد هو الأدب وبذلك لم يعد النقد مجالا لبروز إديولوجيات”.
  • الحجة الخطابية التي تفيد الظن الراجح مثل ” النقاد يعميهم كثيرا أن يقعوا في هذه الإديولوجيات نفسها لأنهم حينئذ سوف يحتكمون في قراءة الأدب إلى معايير مسبقة في أذهانهم فلا يستطيعون رؤيته على حقيقته ”.

اللغة والأسلوب

اعتمد الكاتب لغة نقدية أدبية يغلب عليها الطابع التقريري التعريفي المقترن بأدوات التوكيد لإقناع القارئ؛ لهذا جاء الخطاب متسقا بفعل مجموع الوسائل اللغوية والشكلية، الظاهرة والخفية، منها استخدام أشكال من الربط كالربط البياني المثنوي القريب:” يرى العالم ويكتب عنه” والربط البياني الجمعي القريب: تحاول أن تقبض عليها وتمسك بها وتحلل علاقاتها” والبعيد:” لم ينبثق المنهج البنيوي…… وإنما كانت له إرهاصات…. اختمرت عبر النصف الأول من القرن العشرين…… لعل من أولها ما نشأ……. في حقل الدراسات اللغوية” والإحالة النصية القبلية عن طريق الضمائر:” كانت له” وأسماء الموصول :” فلسفة الظاهراتية التي تتميز” وأسماء الإشارة :” هذه ” التي تشير إلى الفلسفة التي سبق ذكرها”. زيادة على هذا تم تحقيق اتساق الفقرات باعتماد التكرار اللفظي مثل : “البنيوية والبنية” والجمالية والشرح والتوضيح ” معنى هذا أن نظرية الأدب” ” في مقدمة هذه المصطلحات”، والأسلوب الخبري المؤكد (وقد حاول..ءإن أهم..ءإن دراسة)، وصيغ الوجوب (ءعلى أن ذلك يقتضيء ولابد..)، إضافة إلى صيغ الشرط (إذا كان مصطلح…فإنه ينبغي…). وغايته من ذلك إلزام المتلقي بصحة الأطروحة المعبر عنها. وإقناعه بجدوى المنهج البنيوي وقيمته العلمية في دراسة النصوص الأدبية.

التركيب والتقويم

قصد الكاتب من خلال النص إلى التعريف بالمنهج البنيوي من خلال ماهيته وخصائصه وأسسه، فبين أن الدراسات اللسانية مثلت طليعة الفكر البنيوي، إذ حدد البنيويون مجال عملهم ؛ فإذا كان موضوع الأدب هو العالم الذي يحيا فيه الأديب المبدع، فإن موضوع النقد هو الأدب وليس مرجعه الخارجي. وشكل هذا التحديد منطلقا لتحقيق علمية الأدب وتخليصه من الخلفيات الإديولوجية التي تعيق الوقوف على كيفية اشتغال النص الأدبي وتحقيقه للوظائف التعبيرية والجمالية.

وبذلك تتأكد لنا صحة فرضية توقعناها في بداية قراءتنا المنهجية، وهي أن النص يعالج قضية نشأة المنهج البنيوي وتأصيله، وجرد خصائصه بمقارنته بغيره من المناهج التفسيرية، والأسس العلمية التي استند عليها، وهدفه من دراسة الأثر الأدبي..

وتأسيسا على ذلك يمكن القول إن البنيوية بوصفها منهجا نقديا حديثا له ملامحه الواضحة والمتكاملة في الفكر الحديث قد تبلورت في حوار مع مناهج سابقة أو معاصرة، ومع مجموعة من العلوم كاللسانيات والأنثروبولوجيا وعلم النفس، لكنها (البنيوية) ظلت أداة للنظر والتحليل ولم تتحول إلى علم أو نظرية قائمة الذات.

ومع ذلك تعرضت بدورها للنقد من قبل النقد الإديولوجي التفسيري (النفسي ووالاجتماعي..)، ومن أصحاب نظرية التلقي. فهذا فاضل ثامر يقول عن البنيوية أنها تبلورت من حوار مع مجموعة من العلوم كاللسانيات والأنثروبولوجيا… لكنها ظلت مجرد أداة للنظر والتناول والتحليل، ولم تتحول إلى نظرية أو علم أو فلسفة أو إبستسمولوجيا. والواقع أن هذا الرأي يتقاطع مع رأي الدكتور صلاح فضل في الإشارة إلى البعد الوصفي والتحليلي للمنهج البنيوي واستناده إلى المرجعية العلمية واللسانية، ويختلف معه في التأكيد حقيقة ابستيمولوجية، وهي صعوبة تحول المنهج إلى نظرية أو علم..

المنهج الاجتماعي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج الاجتماعي’ لنبيل راغب – دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المنهج الاجتماعي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج الاجتماعي’ لنبيل راغب

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية النص وفرضيات القراءة

 عرف النقد العربي تحولات في تصوراته وأسسه على مستوى التنظير أو التطبيق كالخطابات الأخرى بفعل مجموعة من العوامل أبرزها الانفتاح على الثقافة الغربية، وانتشار التعليم والصحافة، والثورة النقدية في مجال الأدب أخرجت النقد من المعيارية والتجزيئية والانطباعية إلى نقد مؤسس على مبادئ علمية، فأصبحت قراءة الأدب تستمد مفاهيمها وأدواتها الإجرائية من علوم إنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم اللغة ونظريات الأدب، وتفسر الظاهرة الأدبية اعتمادا على مرجع خارجي يشرط إنتاج المعنى أو يولده، أو على اشتغال البنيات التي تفجرها لغة النص.

لقد تنوعت المناهج النقدية الحديثة بحسب تنوع مكونات النص الأدبي ومقوماته؛ فلأنه كيان لغوي، كان موضع بحث من اللسانيات التي وفرت للناقد أدوات دقيقة تسبر أغوار البنية الناظمة للنص، وبما أنه يصدر عن مرسل له تركيب نفسي، يتحكم فيه منطق الرغبات المكبوتة، ولغة الوعي واللاوعي، فقد وجدت السيكولوجيا طريقها إليه، وكونه يعكس حال المجتمع وعاداته وتقاليده والبنيات العقلية التي تشكل بنية وعي جمعي ينتمي إليه الكاتب، ويجسد ه في عالم تخيلي يستبدل به شكل الواقع فقد مثل علم الاجتماع إطارا مرجعيا نظريا لقراءته. هكذا قام المنهج الاجتماعي على تفسير النص الأدبي بربطه بمحيطه وشروط إنتاجه. وهو أحد أهم المناهج النقدية الغربية الواسعة الانتشار بين النقاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، رصدوا تطوره، واستخلصوا قواعده، وصنفوا مدارسه. ومن هؤلاء حسين الواد، وشكري عياد، ونبيل راغب الناقد المصري صاحب “موسوعة النظريات الأدبية ” الذي أُخذ منه النص الذي بين أيدينا. فما قضيته؟ وما المفاهيم المؤطرة لها وما إطارها المرجعي؟

يتكون العنوان من مصطلحين: “المنهج” وهو اسم معنى عام دال على مسلك وتخطيط وترتيب وسنن ما، و”الاجتماعي” وهو نعت يُضمر مفهوم “المجتمع”، لكن إلحاقه بالمنهج عبر ياء النسب جعله سمة مميزة له عن المناهج النقدية المتعددة. ومن خلال عبارتي: ” بعد مدام دي ستايل … السوسيولوجية في الأدب “، و ” لم تتبلور النظرية السوسيولوجية … ولوسيان ﮔولدمان “، نُدرك أن الكاتب يرصد تطور المنهج الاجتماعي. وهي دلالة توسع إيحاء العنوان وتجعلنا نفترض أن النص دراسة نقدية تعالج تطور المنهج الاجتماعي من التأسيس إلى التأصيل فالتبلور، وتببن طبيعته وسماته المميزة، وأدواته.

تكثيف معاني النص

يتمفصل النص إلى حزمة من التمفصلات الفكرية الآتية:

1) تطور المنهج الاجتماعي من مرحلة التأسيس مع مدام دي سْتايل (العلاقة بين الأدب والمجتمع والسياسة)، ودي بونالد (الأدب لتعبير عن المجتمع)، إلى مرحلة التأصيل مع إيبوليت تين (حتمية الأدب أسباب حدوثه، وتذوقه رهن بتعرف إطاره الاجتماعي)، إلى مرحلة التبلور مع جورج لوكاتش ولوسيان ﮔولدمان، الذي أسس علم الاجتماع البنيوي التكويني على خمس فرضيات جمعت بين البنيوية والسوسيولوجيا في منظومة نقدية تحلل المضمون الاجتماعي في ضوء الشكل الفني الذي تتبلور بنيته من خلال تحليل يساعد المتلقي على تكوين رؤية خاصة للعالم والمجتمع والحياة.

2) عرض الكاتب للفرضيات الخمس المؤسسة للبنيوية التكوينية:

  • الفرضية الأولى تصل المجتمع والخلق الأدبي بالأبنية العقلية حيث تتبلور المقولات والمفاهيم الاجتماعية، لتشكل الوعي الحياتي لمجموعة ما عبر عالم تخييلي يخلقه الأديب.
  • الفرضية الثانية تعتبر الأبنية العقلية أساس الحياة الاجتماعية بتجلياتها المادية والفكرية والإبداعية، وأبنية مقولات دالة.
  • الفرضية الثالثة تؤكد على العلاقة بين بنية وعي المجموعة الاجتماعية وعالم العمل الأدبي، حيث يوجد تماثل دقيق ينطوي على علاقة دالة بسيطة.
  • الفرضية الرابعة تتعلق باعتبار أبنية المقولات مصدر الوحدة العضوية والبنيوية والأدبية للعمل الأدبي.
  • الفرضية الخامسة ترفض المنظور السيكولوجي الذي يحصُر أبنية المقولات في التصنيفات المجردة للوعي واللاوعي، وتؤكد أن أبنية المقولات تحكم الوعي الجمعي، وتتحول إلى عالم تخيُّلي يخلقه الفنان، ولا يصدر عن لا وعي أو كبت مسبق.

3) قيام النقد، بناء على هذه الفرضيات، على عمليتي الفهم (البحث في البنية الدالة المتأصلة المحققة للتلاحم الداخلي للنص)، والتفسير (إدماج هذه البنية الدالة، كعنصر مكون، في بنية أكبر وأشمل). والفهم والتفسير عملية واحدة ترتبط بزوايا نظر مختلفة تحكمها البنية المحيطة باعتبارها موضوع الشرح والفهم، وينقلب ما كان شرحا ليُصبح فهما، مما يُحتم على الناقد في مرحلة الشرح أن يتصل ببنية جديدة أوسع.

التحليل

الإشكالية المطروحة

تتعلق إشكالية النص بقراءة الأعمال الأدبية قراءة تفسيرية تربطها بشروط إنتاجها الاجتماعية، أي دراسة المنجز الأدبي من زاوية صلته بالمجتمع والبيئة التي أفرزته، ويُعرف بالعقل الاجتماعي، حيث الواقع سابق على الوعي، ومن ثم فالنقاد الذين يتبنون المنهج الاجتماعي يرفضون تفسير العمل الأدبي استنادا إلى الانعكاس المتبادل بين الأديب ونصه؛ لآنهما معا إفراز اجتماعي.

المفاهيـــم

يتوزع النص حقلان مفهوميان:

  • المفاهيم الأدبية :التعبير، الشكل، الخيال، الخلق الأدبي، عالم العمل الأدبي، الوحدة العضوية والبنيوية، بنية دالة شاملة..
  • المفاهيم الاجتماعية : النظرية السوسيولوجية، علم الاجتماع البنيوي التوليدي، رؤية خاصة للعالم وللمجتمع، حياة المجتمع، الأبنية العقلية، المقولات أو المفاهيم، مجموعة اجتماعية، ظواهر اجتماعية، بنية وعي، الواقع الاجتماعي التاريخي، الوعي الجماعي، ذات جماعية، بنية شاملة..

وتهيمن المفاهيم الاجتماعية في النص على ما عداها، لأن الأمر يتعلق بتشريح مفهوم المنهج الاجتماعي ورصد مراحل تطوره، وتحديد إمكاناته. وتُستمد المفاهيم الاجتماعية من حقل علم اجتماع الأدب، وتلعب دورا هاما في إضاءة القضية المطروحة في النص.

القضايا المتفرعة عن الإشكالية

تفرعت عن هذه الإشكالية بعض القضايا النقدية، منها:

العمل الأدبي الخلاق رؤيا للعالم

الرؤيا للعالم تصور معين للمجتمع والإنسان والطبيعة والوجود، يعبر عنه الأديب تحت تأثير مجموعة من العوامل الذاتية والاجتماعية. وتتسم بالشمول والانسجام والتماسك الفكري والعاطفي المجسد في المواقف الكلية المتخذة تجاه المشاكل الأساسية التي تفرزها العلاقات بين الناس، وبينهم وبين الطبيعة. ويربط ﮔولدمان في هذا الصدد بين الوعي والحياة الاجتماعية، ويعرف الوعي بأنه مظهر معين لكل سلوك بشري يستتبع تقسيم العمل، ويستتبع عنصرا معرفيا، مما يجعلنا نفترض في كل واقعة وجود ذات عارفة وموضوعا للمعرفة، ويميز بين نوعين من الوعي وعي فعلي يرتبط بالمشاكل التي تعاني منها المجموعة الاجتماعية [ الواقع ]، ووعي الممكن يتصل بالحلول التي تغير الواقع وتطرح بدائل جديدة. وإذا كان الوعي الفعلي لطبقة ما هو ما تعرفه عن واقعها في فترة معينة وبلد بعينه، فإن الوعي الممكن هو أقصى ما يمكن لطبقة أن تعرفه دون أن تعارض المصالح السوسيواقتصادية المرتبطة بوجودها. ويعطي ﮔولدمان الأولوية للوعي الممكن، لأن العمل الأدبي ليس انعكاسا لوعي فعلي، بل لوعي ممكن يتحول إلى رؤيا للعالم متى كان منسجما ومتماسكا وشاملا.

الوحدة العضوية والبنيوية للعمل الأدبي

تكشفها عمليتي الفهـم أي وصف للبنية الدالة للعمل الأدبي، وهي بنبة نصية سطحية، والتفسيـر أي دمج تلك البنية الدالة في بنية أوسع وأشمل، هي البنية العقلية الناتجة عن الوعي اجتماعي لفئة ما.

وهما مصطلحان مترابطان: الأول أضيق من الثاني، لأن الثاني يحتويه ويتجاوزه، ومن هنا كانت البنيوية (الفهم)، والتكوينية (التفسير). والناقد النيوي التكويني يسعى إلى وضع البنية السطحية ضمن بنية عميقة تشكل الرؤيا العامة الكاشفة عن النواة\ البؤرة. إن البحث عن البنية الجزئية، وإعادة تركيبها يتطلبان رصد ما كان ذا دلالة أساسية. والربط بين البنيتين السطحية والعميقة يجعل للخارج (المجتمع) حضورا في الداخل (النص).

البنية الدالة

هي المكون الأساسي الذي يمكننا من فهم طبيعة الأعمال الإبداعية ودلالتها، وهي المعيار الذي يتيح لنا أن نحكم على قيمتها الأدبية والجمالية والفلسفية. ويحقق مفهوم البنية الدالة هدفين أحدهما مرتبط بالفهم، والآخر بالحكم، وهو يقصي منظور الانعكاس الميكانيكي بين مضمون النص، ومضمون الوعي الجمعي دون الاهتمام ببنية الشكل وموضوع الجمالية في حد ذاته كما تفعل المناهج الاجتماعية التقليدية، لأن العلاقة الأساسية لا تكون على مستوى المضامين، بل على المستوى البنيوي، فأكثر الأعمال تباينا في المضامين يمكن أن تتوفر على بنية واحدة توافق النزعات التي تحاصر الوعي الجمعي لهاته الطبقة أو تلك.

الإطار المرجعي

استند الكاتب في عرضه لإشكالية النص والقضايا المتفرعة عنها إلى مرجعيات منها :

  • سوسيولوجيا الأدب: حيث ينظر إلى بنية النص الأدبي كنظير للبنية الذهنية للفئة الاجتماعية التي يعيد الأديب تركيبها في عمله، ويقوم الناقد بالموازاة بين الرؤية التي تحكم بنية العمل الأدبي والمجال الثقافي الذي ينتمي إليه الأديب. ويرى كولدمان أن هناك علاقة جدلية بين المجتمع والنص، لأن النص يجسد وعيا ممكنا لطبقة اجتماعية، يستشرف المستقبل ويتوخى إيجاد صيغ حياتية ممكنة وبديلة للواقع.
  • علم التاريخ: الأحداث – الأسباب – الحتمية..
  • البنيوية التكوينية: تتوسل بالمعرفة اللسانية في دراسة اللغة باعتبارها نسقا عناصره الأساسية الصوت والمعجم والصرف والتركيب والدلالة، وباعتبارها أداة للتواصل ؛ واستخراج البنية المنظمة للعلاقات بين مكونات النسق، أساسي إلا أن قراءة للنص لا تقف عند هذا المستوى الوصفي، بل تتجاوزه إلى التأويل والتفسير بوضع البنية السطحية ضمن بنية عميقة مبنينة للمتن، وبالانتقال إلى علاقة خارج / داخل للكشف عن البعد الاجتماعي الجدلي للمتن، فالنص ليس منغلقا، بل هو إفرازاجتماعي ثقافي تاريخي، يعبر بوسائله السرية عن طموحات اجتماعية.

طرائق العرض

وظف الكاتب بعض أساليب التفسير كالتعريف (تعريف المنهج الاجتماعي)، والوصف (وصف الفرضيات المؤسسة له)، والسرد (سرد مراحل تطور المنهج الاجتماعي من مرحلة التأسيس والتأصيل إلى مرحلة التبلور)، والمقارنة (بين المنهج الاجتماعي والمنهج السيكولوجي).

ولعل الغرض من أساليب التفسير رصد تطور المنهج الاجتماعي وجرد مبادئه (الرؤيا، الفهم والتفسير، البنية الدالة). والاستشهاد بالنقاد الغربيين يدل على أن هذا المنهج غربي، وأن أولئك النقاد يشكلون مرجعيته النظرية الأصلية.

وقد اتكأ المعروض النصي على محوين: دياكرونى يقوم على الاستعراض المتدرج لمراحل تطور المنهج الاجتماعي لإبراز انتقاله من مفهوم الانعكاس الآلي بين المجتمع والأدب، إلى النظرة الدينامية القائمة على التناظر بين بنية النص وبنية المجتمع، في أفق الرؤيا الاستشرافية للمستقبل والمساهمة في تغيير الواقع الاجتماعي، وسانكروني يقارب مفاهيم المنهج الاجتماعي من خلال جرد خصائصه، ووصف واتجاهاته. ويتحدد دور هذين المحورين في بناء موضوع متماسك ومنسجم يتناول منهجا أثار كثيرا من الخلافات بين المنظرين والنقاد، وانتشر على نطاق واسع، وتداخلت حدوده في مراحل تطوره التاريخية.

التركيب والتقويم

إذا كان المنهج التاريخي الاجتماعي ينظر إلى النص باعتباره انعكاسا لظروف اجتماعية ( ثقافة، سياسة، اقتصاد..)، وإلى الكاتب باعتباره إفرازا اجتماعيا، فإن المنهج البنيوي التكويني يقوم على منطق العلاقة الجدلية بين المجتمع والنص، لأن النص يجسد وعيا ممكنا لطبقة اجتماعية ينتمي إليها الكاتب، تستشرف المستقبل وتبحث عن بدائل ممكنة للواقع. وقد حاول الكاتب عرض المنهج الاجتماعي والأسس التي قام عليها، وإبراز إمكاناته في معالجة بنية النص، والبحث في البنية المناظرة لها في المجتمع وأنساقه الثقافية والاقتصادية، أو ما يُعرف بالعقل الاجتماعي.

وبناء عليه تتأكد صحة افتراضنا بأن النص يعالج مراحل تطور المنهج الاجتماعي ومبادئه الأساسية وإمكاناته التفسيرية. ويتوجس بعض النقاد من المنهج الاجتماعي مخافة حصر الأدب في وظيفته الاجتماعية المباشرة، لأن النقاد لا يصلون إلى تفسير اجتماعي عقلي للأعمال الأدبية الكبرى، إذ يكشف التفسيرُ الداخليُّ وحده أسرارَها، لإن المنهج الاجتماعي يهمل الملمح الجمالي الماثل في الدلالة نفسها. ولهذا الرأي وجاهته، ولكنْ إذا كان للمنهج الاجتماعي حدودا لا يتجاوزها، فإن ذلك لا يُلغي إمكاناته العديدة التي لا يستطيع غيره من المناهج توفيرها.

المسرحية (نص مسرحي) – تحليل نص ‘الكنز’ لتوفيق الحكيم – دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المسرحية (نص مسرحي) – تحليل نص ‘الكنز’ لتوفيق الحكيم

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية القراءة

المسرح نص وعرض، وهو أيضا علاقة اجتماعية، فهو لا يكتمل إلا بحضور المشاهدين، إنه، كأي نوع أدبي آخر، يسعى إلى تبليغ رسالة إلى المتلقي، تعرض وجهة نظر، أو نتيجة تأمل للواقع.

ومنذ الربع الثاني من القرن 20 بدأت عملية تأليف نصوص مسرحية ذات بناء درامي متقن قابلة للقراءة والعرض معا، اهتداء بالنموذج الغربي ومزاوجة بين التأليف الدرامي والمضامين الواقعية والتراثية لربط ما هو عربي بما هو عالمي، فجمع كتاب المسرح بين التأليف النثري والشعري، وتنوعت المضامين بين السياسي والاجتماعي لمعالجة المشاكل الناجمة عن تطور المجتمع العربي. ومن مسرحيي هذه الفترة (ألفريد فرج، محمود تيمور، جورج أبيض، مراد السباعي، يوسف وهبي، عبد الوهاب أبو السعود، ونجيب حداد وأمين الريحاني..). ويعتبر توفيق الحكيم أبرز رواد هذه المرحلة، إذ جمع إنتاجه بين المسرح الذهني والاجتماعي والسياسي واللامعقول. ولد سنة 1898 في الإسكندرية، حصل على الإجازة في الحقوق، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته القانونية، إلا أنه وُلع بالفن والأدب. وبعد رجوعه إلى وطنه تقلب في عدة مناصب سرعان ما استقال منها ليتفرغ للكتابة في الأدب والصحافة حتى توفي سنة 1987. وقد ترك مسرحيات منها: سليمان الحكيم أهل الكهف الملك أوديب ألف ليلة وليلتان…، وروايات منها: عصفور من الشرق عودة الروح، وقصص منها: عدالة وفن. والنص قيد الدرس مأخوذ من مسرحيتة (الكنز). فما موضوع المسرحية ؟ وما الوسائل المعتمدة لتشخيصه ؟ وما رهانه ومقصديته من ذلك ؟

فرضية القراءة

العنوان خبر لمبتدأ محذوف. والتعريف يفيد هنا التعيين. وكأن الكاتب يقول (هذا هو الكنز الحقيقي ). ويوحي الكنز بمعنيين : أحدهما مادي يتعلق بالمجوهرات والأحجار الكريمة..، والثاني معنوي يرتبط بالقيم الروحية والجمالية التي قد تتوفر في بعض النفوس الطيبة الجميلة. وملفوظ الأم في نهاية المشهد يرتبط بالدلالة المعنوية لمفهوم الكنز.

انطلاقا من ملاحظة المشيرات الدالة السابقة نفترض أن موضوع النص هو الصراع بين القيم الروحية الجمالية والقيم المادية في العلاقة بين الناس. فإلى أي حد استحوذت هذه المسرحية على الرغبة الكامنة داخل نفوسنا حتى تسمع وترى ما يسرها أو يكشف عن أخطائها ؟ وما هي خصوصيات هذه المسرحية على مستوى الموضوع والبناء والأسلوب ؟

الفهم

يطرح النص قضية اجتماعية تتمثل في بناء العلاقات بين الناس وخاصة العلاقات الزوجية على المصالح المادية على حساب القيم الروحية النبيلة والجمالية الراقية.. فإذا كان الكنز بالنسبة للأب والأم والخطيب ينحصر في المال، فإنه بالنسبة ل” مراد ” و ” درية ” يتعلق بالإيمان بقيمة الفرد الإنسانية والروحية.

وقد عرض الكاتب هذه القضية من خلال مشهد يقوم على أربعة مفاصل هي :

  • حوار الأب والأم والخطيب حول ثروته ورغبته في خطبة ” درية “.
  • ممانعة هذه الأخيرة وذهاب الأم في طلب درية واختلاق عذر لتبرير عدم رغبتها في الخطيب الثري.
  • دخول مراد إلى البيت تحت ذريعة إخراج كنز منه شريطة بقاء درية معه لأن الكنز سينفتح على عينيها بعد خروج الخطيب قلقا.
  • حوار مراد ودرية حول حقيقة مجيئه وإخبارها بمشاعره تجاهها، والكشف عن المعنى الحقيقي للكنز.

التحليل

جرد القوى الفاعلة

  • الأب : متوسط الحال طماع، يرغب في المال ولو بجواز ابنته معاكسة رغبتها، إنه رجل ساذج، أمي، جاهل …
  • الأم : تشارك الأب في التهافت على المال، ولكنها ستلعب دورا في إقناع الأب بالإذعان لرغبة ابنتها في مراد.
  • درية : تتميز بروح سامية تبحث عن شريك حقيقي يشاركها تلك المعاني، لذا رفضت الارتباط بالخطيب الغني وقررت التعلق بمُراد المؤمن بما تؤمن به، يمكن اعتبارها الموضوع المرغوب فيه، فهي معادل رمزي للكنز.
  • الخادم : لعب دور الوسيط بالإخبار بمجيء مراد.
  • الخطيب : رجل ثري لا يؤمن إلا بالقيم المادية في الحياة. رمز الخداع والقيم المادية في الحياة.
  • مراد : لعب دور الساحر كذريعة للظفر بدرية التي رأى فيها مجسدة للمعاني الإنسانية السامية فقرر الارتباط بها ولو بالحيلة التي أعطت أُكلها. وهو رمز للإنسان المثقف النبيل الذي يقدر القيم الروحية السامية في الحياة. نجح في إقناع أفراد الأسرة بوجهة نظره.

نلاحظ مطابقة الصفات النفسية للوضع الاجتماعي والقيم التي تؤمن بها كل شخصية، وهذا يبين مساهمة كل منهما، من خلال سماته تلك، في تحقيق البرنامج السردي لكل عامل.

البنية العاملية

جسدت درية دور العامل الموضوع الذي تجاذبته باقي العوامل الأخرى، ويمكن بيان علاقتها بباقي العوامل كالتالي :

  • العامـــــل الأب : البنت وسيلة لتحقيق موضوع الاغتناء والارتقاء الاجتماعي.
  • العامـــــــل الأم : البنت بالنسبة لها أيضا وسيلة للاغتناء والارتقاء الاجتماعي.
  • العامل الخطيب : درية بالنسبة له موضوع لإشباع رغباته المادية.
  • العامـــــل مراد : درية بالنسبة له موضوع لتحقيق إنسانيته في أبعادها الروحية، لذا اختلق وسيلة السحر للظفر بموضوعه.

تميزت البنية العاملية في هذا النص بالتنامي والتطور، ويمكن توضيح ذلك من خلال المراحل التالية :

  • بنية تباين الرغبات (التعارض) : وتتجلى في بداية المشهد، حيث تتعارض رغبة درية مع رغبة الخطيب.
  • بنية الصراع (العقدة) : حين بدأ الخلاف بين الأب والخطيب، والساحر من جهة ثانية حول استخراج الكنز.
  • تفسخ البنية (الحــل) : محاورة مراد لدرية وكشفه لها عن حقيقة مجيئه وتغيير معنى الكنز في فهم الأب والأم.
القيم والأنساق الفكرية
القوى الفاعلةأبعادها الرمزيةموقفها من الحياةقيمها بين المادي والمعنوي
الأبالجشع، رجل مادي..مادي يؤمن بالقيم المادية في الحياةمادية
الخطيبانتهازيالحياة لهو ومتعةمادية
دريةإنسانيةتؤمن بسيادة القيم الروحيةروحية

إن تباين الرغبات وتصاعد الصراع يعود إلى تباين القيم والأنساق الفكرية التي تمثلها القوى الفاعلة. وفي نهاية المطاف تنتصر القيم الروحية والأخلاقية على القيم المادية. وهذا الصراع يمثل، نسقا اجتماعيا يضم هذه المتناقضات.

القيم الأكثر قوة وفاعلية وتعبيرا عن صوت المؤلف هي : القيم المعنوية التي تعترف بدور الإيمان بالعلاقة الروحية الرابطة بين الناس، وربما بعود اتخاذ المؤلف لهذا الموقف بسبب ما يتميز به المجتمع من انحلال خلقي وإيثار الناس للقيم المادية على حساب القيم الروحية.

وتُعتبر الحيلة عملا مشروعا لتبرير هدف إنساني يزيل عائقا خلقيا قد يؤدي إلى تفسخ العلاقات الإنسانية، وإحلال محلة انبناء هذه العلاقة على أسس نبيلة وقيم روحية سامية.

الصراع الدرامي

من مظاهر الصراع بين مختلف القوى الفاعلة الصراع النفسي (كتمان المشاعر الطيبة بين مراد ودرية، والتي من أجلها تم نسج الحيلة للظفر بالموضوع) والاجتماعي (التحايل للحصول على الثروة والاغتناء) والفكري (منظومة القيم المتباينة بين أفراد المجتمع الواحد). والنتيجة هي انتصار القيم الإنسانية السامية كسبيل وحيد لخلق التوازن في العلاقات الاجتماعية.

الحـوار

ينقل الكاتب أقوال الشخصيات بشكل موضوعي (أو على الأقل يوهمنا بذلك)، فقد أفسح المجال لصوت الشخصية مباشرة لتعبرعن دواخلها ومواقفها ووضعياتها من خلال أحداث ملفوظة، إننا أمام خطاب معروض، يظهر الخيالي فيه في صورة الواقعي.

وما يلفت النظر أن الكاتب ينقل كلام الشخصيات كما هو دون إضفاء تلوينات دلالية أو شحنات انفعالية عليه، ويتبع سبلا استدلالية متنوعة (تقديم الحجج والبراهين والأمثلة والفرضيات وأساليب الامتناع وصيغ التوكيد وشروط الصدق …)، ليصل إلى نتيجة مفادها تطابق وجهتي نظر درية ومراد.

نظرا لخاصية الصراع المميزة للحوار جاءت سمات وملفوظات الشخصيتين متباينة ؛ واتسم حوار القوى الفاعلة بسمات متنوعة، نبينها كالتالي :

  • الحوار الجدي : ” ماذا جرى لها ؟ ذهبت تُحضر منديلها ولم تعد ؟ ”.
  • الحوار الساخر : الخطيب : ” إذا كانت حضرتك تستطيع أن ترى المال المخبوء في الحيطان؛ فهل تستطيع أن ترى المال المخبوء في جيبي؟” – مراد : ” عيني لا ترى نقودا ولكنها ترى كنوزا.” – الخطيب : ” ابدأ بفحصي يا حضرة الأخصائي.. من يدري … ربما بقدرة قادر ينفتح علي الكنز ؟ ”.
  • الحوار الهزلي : الخطيب : ” من ذا يرفض الفُرجة على ” شمهروش ” بالمجان ؟ ”.
  • الحوار المتسلط : الأب : ” حضرته يذهب إلى داهية لا تُرجعه..”.
  • الحوار الماكر المتحايل : ” مشاغل البيت …مسكينة … إنها نشيطة أكثر من اللازم … لا تريد أن تترك للخدم أبسط الأمور.. ”.

وردت بعض العبارات العامية في بعض الحوارات، مثل ” أبا العز بكْ ”، ” زفتْ ”

البرهنة والحجاج

إذا كان النص المسرحي يعتمد على الحوار لتبليغ رسالته وتجسيد جماليته، فإن سمة البرهنة والحجاج تعتبر بارزة في الكتابة المسرحية، باعتبارها ترمي إلى إثارة الانفعال المشترك لدى المتلقي، ثم إنها تسعى إلى تحقيق نوع من التواصل بين الكاتب والمخرج والممثل والقارئ والمتفرج ؛ وقد دافعت كل قوة فاعلة عن موقفها بالحجة والبرهان :

  • حجة الخطيب على صحة وجهـــة نـظـره: ” وهذا طبعا ليس بكثير على صاحب ثروة تُقدر الآن، كما تعلمون، بستين ألف جُنيه؟”.
  • حجة مراد على صحة وجهـة نظره : ” هذه الروح المضيئة … ”.
  • حجة درية على صحة وجهة نظرها : ” أبي يجب أولا أن نتفق على معنى الكنز” ماذا تقصد بالكنز ؟.

ويبدو أن حجج مراد ودرية هي الأكثر إقناعا بموقفهما ؛ لأنها أنهت القصة بتغيير موقف الأب والأم معا. وإذا كان حجم الحوارات متفاوتا طولا وقصرا في النص، فإن ذلك يُعزى إلى تباين وضعية كل من الشخصيات وموقفه من الآخر. أما الأسلوب الحواري فتلعب فيه الجمل الاستخبارية دورا حاسما في تبئير مختلف القضايا المستهدفة.

وتتميز لغة الحجاج بأفعال كلامية متنوعة لتحقيق هدف معين :

  • الاستفهام للاستئذان والتقزيم: درية : “… أتسمح لي أن أناديك باسمك المجرد ؟ ”.
  • النهي للردع : درية : ” لا تجعل للمال كل هذه القيمة ”.
  • الخبر للسخرية : درية : ” لن أعتقد ذلك … الدجال رجل صاحب براعة ولكنه ليس صاحب إيمان.. “.

ولعل الهدف من توظيف أفعال الكلام هو تنويع المقامات لتصعيد الفعل الدرامي، فمعظم الجمل إستفهامية، تسعى إلى تبئير مختلف القضايا المستهدفة. وهناك حفاظ على الصيغ التعبيرية الانفعالية ( كالريبة، والسخرية، والتساؤل، والتعجب) الواردة في الخطاب المنقول للإيهام بحقيقته المفترضة، وبضوابط التبادل اللفظي الذي يجري في الكلام. وقد يكون من بين دلالاته أنه يعطي لوجود المتكلم والشخصية في النص كينونة تخييلية توحي بالامتلاء والاستمرار.

الأسلوب / التركيب

يوحي توزيع السطور على الصفحات من خلال العارضة التي تميز استهلال الكلام بأن الجمل في النص مستقلة بذاتها عما يسبقها ؛ فإذا فحصنا تركيب هذه الجمل الحوارية، وجدناها تتضمن ضمائر، وأدوات، وكلمات متكررة، وروابط تصلها بالجمل المحيطة بها، مما يضفي على النص خاصية والاتساق والانسجام.

تفاعل الزمن والمكان

لا شك أن دلالة الأمكنة لا تتحقق إلا بعلاقتها بعنصر الزمن، وقد جرت الأحداث في لحظة زمنية محددة هي زمن الخطبة، وتتطور الأحداث تصاعديا حتى النهاية. ويبدو أن التفاعل بين الزمان والمكان في هذه المسرحية قد ولد صورة متناقضة للقوى الفاعلة، فلكل واحدة منها مفهومها الخاص للكنز..

البيت فضاء يعكس صراع القيم والمصالح بين الناس؛ فهو مجال مغلق يُفترض أنه يضيق بتباين المواقف والمصالح وأحرى بصراعها، لذلك كان بؤرة لتذويب الخلاف بين وجهات النظر حول مفهوم الكنز. وقد تحقق ذلك بعد خروج الخطيب من البيت …

الزمن الواقعي والزمن النفسي: الأول صيغ نحويا بصيغة المضارع الدال على تحقق الفعل في الزمن الحاضر للإيهام بواقعية ما يحدث، والثاني يعمق وعي القارئ بالأحوال الشعورية للشخوص، وأثر ذلك في القوى الفاعلة ودورها في تطور الأحداث نحو نهايتها، وتحقيق مغزاها..

الخُطاطة السردية

تنتظم أحداث المسرحية وفق خطاطة سردية محكمة، نوضحها من خلال الجدول التالي :

وضعية البداية (العرض)الاستهلال بالمشهد والتعريف بمجال الديكور وبعض الشخصيات ووضعيتها، وتباين الرغبات.
العنصر المخلرفض درية الارتباط بالخطيب ومجالسته.
وضعية الوسط (العقدة)مجيء مراد متقمصا دور الساحر الذي يدعي أن في البيت كنزا..
عنصر الانفراجاختيار مراد لدرية لينفتح عليها الكنز والاختلاء بها للتعبير عن إعجابه بها، وخروج الخطيب من البيت.
وضعية النهاية (الحل)ارتباط درية بمراد على أساس من تطابق مفهوم الكنز لديهما.

البعد الوظيفي لوضعيتي البداية والنهاية، وأثرهما الجمالي في المتلقي يتجلى في كون الكاتب أقحمنا مباشرة في قلب الحدث، وأجبرنا على تتبع سيرورته ليقنعنا بقبول موقف من الارتباطات الاجتماعية بين الرجل والمرأة المبنية على الإكراه بدافع الجشع والطمع في المال على حساب القيم الإنسانية.. ومن الناحية الجمالية، فهو يحدد لنا، كمتلقين، أفق انتظار يسمح لنا بوضع فرضيات للقراءة من خلال وضعية البداية، ( تحديد نوع النص واتجاهه الأدبي، وطبيعة كتابته (الإيهام بالواقع وخلق تشابه بين عالم النص وعالم الواقع) والتعرف على الوضعية الأولى للشخوص، مرورا بإدراك العنصر المخل والعقدة وعنصر الانفراج / النهاية التي تتعلق وظيفتها بالدفع بنا إلى تأويل الفعل المحتمل، وتعزيز الأفق أو خرقه.

الإرشادات المسرحية

يعتمد المسرح أنساقا لغوية موازية، وهذه الإرشادات سرد قصير يؤثث الكاتب به فضاء المسرحية، وله أهمية كبيرة وأثر بالغ على متلقي النص المسرحي يتجلى في ترجمة الانفعالات والروابط الوجدانية بين الممثل والجمهور، وإغناء الإرسالية وضمان استمرار التواصل وموضعة الحدث في ظرفية معينة، وتقديم معلومات عن الشخوص والفضاء والزمان، ووصف وضعياتها وحركاتها ونبرات الصوت والكلام.. ومن هذه الإرشادات:

  • ما يدل منها على المخرج : ” يشير إلى الفنجان الرابع ”، ” تنهض وتخرج من القاعة “.
  • ما يدل منها على الممثل : ” الحوار بين الشخصيات “.
  • ما يدل منها على الديكور : ” البيت “، ” رجل بالباب ”.
  • ما يدل منها على المتفرج : ” ينهض على قدميه ”، ” باحترام ” ومثل هذه العبارات تتعلق بالتحديد الدرامي للفعل ؛ لأن المسرحية تكتب أساسا لتؤدى على خشبة المسرح.
  • ما يدل منها على القارئ : ” التقديم للنص بالإشارة إلى مشهد يمثل صاحب البيت..”، إضافة إلى شكل الكتابة، وتوزيع السواد على البياض.

وقد تتضمن إرشادات وتوجيهات عن الإنارة وطبيعة الديكور ومزاج الشخصية.. وهي أمور يمكن للمخرج أن يستأنس بها لإخراج النص من القوة إلى الفعل.

التركيب والتقويم

ينتمي النص إلى مسرح المجتمع بعرضه القيم والأنساق الفكرية المتحكمة في سلوك الشخصيات وومواقفها المتأرجحة بين آلمادية المرتهنة إلى اللهو والمتعة والمصلحة، والروحية ذات النزوع الإنساني المثالي، ولعل المؤلف يعالج ما يسود المجتمع من تفش للقيم المادية على حساب القيم الروحية. ويتجلى أيضا في الصراع الدرامي في بعده الاجتماعي والفكري، حيث يصور الكاتب واقع أسرة مصرية ( التحايل للحصول على الثروة والاغتناء ) ومنظومة القيم المتباينة بين أفراد المجتمع الواحد. وتُعتبر الحيلة عملا مشروعا لتبرير هدف إنساني يزيل عائقا خلقيا قد يؤدي إلى تفسخ العلاقات الإنسانية، ويحل محله أساس صحيحا. وقد وظف الكاتب الكنز في بعد رمزي جسدته ” درية “، هو أن القيم الإنسانية السامية هي الكنز الذي يجب أن تتوق إليه النفوس.

تقوم المسرحية على مقومات فنية تتميز بها موضوعا وبناء وأسلوبا.. منها :الحوار، الصراع والتصعيد الدرامي.

ومكونات المسرحية (شخوص، زمان، مكان، ديكور.. ) تشخص لغويا لتشكل المادة الخام للعرض المسرحي، ومن ثم تحظى بوجود مزدوج يسبق العرض ويصاحبه.

يعبر النص، من خلال أدواته الفنية، عن قضايا يغذيها الصراع النفسي والاجتماعي والفكري بين نماذج أو قوى اجتماعية أو نفسية أو فكرية تحكمها علاقة التوافق والتضاد، ذلك أن ما يضفي الشرعية على الكتابة الدرامية هو تصاعد حدة الصراع بين النقائض(الوحدة)، وبذلك نتيقن من الفرضية والتي تتعلق بإيثار القيم الروحية والجمالية على القيم المادية في العلاقات بين الناس.

Ads
Ads AdsAdsAds
Ads