Ads Ads Ads Ads

مسألة العلمية – مجزوءة المعرفة – الفلسفة – الثانية باك اداب وعلوم انسانية

عنوان الدرس : مسألة العلمية

المادة : مجزوءة المعرفة – الفلسفة

الشعب: اداب وعلوم انسانية

المسالك: اداب وعلوم انسانية

الطرح الإشكالي

إن كان العلم يستنبط قوانين ضرورية وحتمية في العلوم الدقيقة، فإن هذا الأمر يصبح متعذرا على مستوى العلوم الإنسانية. لأن الموضوع هذه المرة هو كائن يتميز بالوعي والإرادة والقدرة على الاختيار، مما يجعل العلمية تتميز في هذا المجال بالاحتمال والترجيح، نتيجة عدة قضايا تتمثل في العلاقة غير الواضحة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. إضافة إلى صعوبة التفسير والتنبؤ في العلوم الإنسانية. وأخيرا علاقة العلوم الإنسانية بالعلوم الحقة على مستوى المنهج. وهذا ما يمكن طرحه من خلال الإشكالات التالية:

  • ما طبيعة العلاقة التي تربط الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية؟
  • هل العلوم الإنسانية قادرة على فهم وتفسير والتنبؤ بالظواهر؟
  • ما الدور الذي لعبته العلوم الحقة في العلوم الإنسانية؟

موضعة العلوم الإنسانية

عوائق موضعة الظاهرة الإنسانية

إن العلوم الإنسانية – في نظر جان بياجي – لها وضعية أكثر تعقيدا مقارنة بالعلوم التجريبية، لأن الذات مُلاحِظة لذاتها ولغيرها، ومجربة على نفسها وعلى غيرها، لهذا تـُخْلَق وضعية التداخل بين الذات والموضوع في العلوم الإنسانية، مقارنة بالعلوم الطبيعية، حيث أصبح من المعتاد الفصل بين الذات والموضوع. إن عملية إزاحة تمركز الذات حول ذاتها، والتي هي عملية ضرورية لتحقيق الموضوعية، تكون أكثر صعوبة في الحالة التي يكون فيها الموضوع هو الذات، نظرا لسببين وهما:

إن الحد الفاصل بين الذات المتمركزة حول ذاتها، والذات العارفة يكون أقل وضوحا عندما تكون أنا الملاحظ جزء من الظاهرة التي يجب عليه أن يلاحظها ويدرسها من الخارج.
إن الملاحظ يكون أكثر ميلا للاعتقاد في معرفته الحدسية بالوقائع لانـخراطه في هذه الأخيرة.

هكذا فالعالِم – في نظر بياجي – لا يكون أبدا معزولا، بل هو ملتزم بشكل ما بموقف فلسفي وإيديولوجي.

مفارقة علاقة الذات بالموضوع

إن كل باحث هو عضو ينتمي لجماعة كبيرة أو صغيرة (سواء كانت طبقة اجتماعية، أو مهنة، أو أمة…)، في نظر فرانسوا بستيان، وبالتالي يكون منخرطا بالضرورة في صراعات صريحة أو ضمنية من أجل الاعتراف، والحظوة، والسلطة، وهي صراعات تحرك المعتقدات والمثل…الخ. وتتمثل الصعوبة لدى الباحث الاجتماعي في كونه لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتبر هذا الانفصال مبدأ كل جهد علمي (الموضوعية). لذلك نجد كل مجهودات مؤسسي العلوم الاجتماعية قامت على مبدأ تباعد الباحث عن جماعته، حيث دعا “دوركايم” إلى اعتبار الوقائع الاجتماعية أشياء، وكذلك توصية “ماكس فيبر” باحترام مبدأ الحياد القيمي.

التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

التفسير والتنبؤ في العلوم الإنسانية

إن العلوم الدقيقة – حسب كلودء ليفي ستروس – تقدمت بفضل عمليتي التفسير والتنبؤ، حيث يمكن لهذه العلوم أن تفسر ظواهر لم تتنبأ بها، كما فعلت الداروينية، كما يمكنها أن تتنبأ بظواهر لا تكون قادرة على تفسيرها، كما يحدث في علم الأرصاد الجوية. أما العلوم الإنسانية، فتجد نفسها في وسط الطريق بين التفسير والتنبؤ، فهي لا تفسر الظواهر تفسيرا نهائيا، ولا تتنبأ بيقين تام، لقد أكتفت العلوم الإنسانية، حتى حدود اليوم، بتفسيرات فضفاضة وتقريبية تنقصها الدقة، ورغم أنها مهيأة، لأن تمارس التنبؤ وتطوره، فإن الخطأ كان دائما حليف تنبؤاتها.

ومع ذلك فإن العلوم الإنسانية – حسب ستروس – يمكن أن تقدم للذين يمارسونها انطلاقا من نتائجها، شيئا وسيطا بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة، لكن من غير الفصل بين التفسير والفهم.

الفهم في العلوم الإنسانية

إذا كنا نفسر الطبيعة، باعتبارها ظواهر معزولة وخارجية في العلوم الفيزيائية والطبيعية – في نظر دلتاي – فإننا نفهم الإنسان في علم النفس، من خلال فهم حياته النفسية، فعمليات الاكتساب، ومختلف الوظائف العقلية والنفسية وعناصرها تجتمع وتكون كلا يعطى لنا عن طريق التجربة الداخلية. فالكل المعيش هو الأساسي، ولا يتجزأ إلى أجزاء إلا بعد ذلك. وينتج عن هذا أن المناهج التي ندرس بها الحياة النفسية والتاريخ والمجتمع تختلف عن المناهج التي تقود إلى معرفة الطبيعة.

إن العلوم الإنسانية الحقيقية – حسب دلتاي – هي التي تبني منهجها بنفسها، انطلاقا من موضوعها

نموذجية العلوم التجريبية

خصوصية المنهج في العلوم الإنسانية

تعتبر العلوم الإنسانية مقارنة بالعلوم الطبيعية – في نظر كل من طولرا/ وارنيي – حديثة النشأة، أما نتائجها فهي قليلة وغير أكيدة لأن الواقع الحي الذي تحاول الإحاطة به (المجتمعات، العقليات، السلوكيات…)، هو أكثر غنى وأقل انتظاما من الظواهر الطبيعية، وبالتالي فإن استخدام العقل في هذه العلوم مطالب بأن يكون حذرا، كما أن الروح العلمية مطالبة بأن تكون أكثر تطورا من مثيلتها في العلوم الطبيعية، حيث تكون التجربة محكا مباشرا وحاسما.

ويفترض إدراك الموضوع – حسب طولرا/ وارنيي – أن تكون الذات مستعدة لفهم ما يخالفها ويعتبر آخرها. وفي هذه الحالة، تتمثل الروح العلمية في القدرة على استيعاب التناقض والقدرة على مواجهة ما هو غريب ومزعج لكل تلقائية، أي اللقاء الدائم مع الواقع.

خداع النظرة العلمية

إن كل ما أعرفه عن العالَم، ولو كان مصدره العلم – يقول موريس ميرلوبونتي – أعرفه انطلاقا من وجهة نظر خاصة بي، أو أعرفه من خلال تجربتي الخاصة التي بدونها لن تعني رموز العلم أي شيء، لأن العلم يُبنى بكامله على العالم المعيش (أي التجربة الذاتية للأنا) وانطلاقا منه. فأنا الذي أوجد من أجلي أنا، وأنا الوحيد الذي يوجد وجودا متفردا. لا يوجد أحد مكاني ولا أوجد في مكان أحد.

وهكذا فإن وجهة النظر العلمية التي أكون بمقتضاها مجرد لحظة من لحظات العالم هي دائما وجهة نظر خادعة، لأنها وجهة نظر يكون العالم حولي حسبها موضوعا، ولا يوجد لأجلي. إن الرجوع إلى الأشياء ذاتها هو الرجوع إلى العالم المعيش قبل أن يكون موضوع معرفة، وهكذا فكل معرفة للإنسان – حسب ميرلوبونتي – هي معرفة ذاتية، لأن العلم يفترض وجود نظرة موضوعية للذات تتعالى عن كل الذوات، هي في الواقع غير موجودة.

استنتاجات عامة

إن أكثر المعارف فائدة وأقلها تقدما، من كل المعارف الإنسانية، في الآن نفسه، هي تلك المتعلقة بالإنسان – حسب ج. ج. روسو – إنها أكثر فائدة لأنها تدرس الكائن الوحيد في هذا الكون الذي يملك عقلا ووعيا. وأقلها تقدما لأن زمن نشأتها جاء متأخرا جدا. وهي التي تشكل العلوم الإنسانية.

إن العلوم الإنسانية هي علوم مأزومة، لأنها ولدت بأزمتها التي تتمثل، من جهة، في تداخل الذات والموضوع، واضطراب العلاقة بينهما. كما تتمثل، من جهة أخرى، في استعارة مناهج العلوم التجريبية، بدل إبداع مناهج تتواءم وطبيعة موضوعها الذي يتميز بالتعقيد.

التاريخ – مجزوءة الوضع البشري – الفلسفة – الثانية باك

عنوان الدرس : التاريخ

المادة : مجزوءة الوضع البشري – الفلسفة

الشعب: اداب وعلوم انسانية

المسالك: اداب وعلوم انسانية

تقدیم

یقول عبد الله العروي: « قد یتساءل المؤرخ عن صناعته فیعني بالتاریخ تحقیق وسرد ما جرى فعلا في الماضي، ویتساءل الفیلسوف عن هدف الأحداث فیعني بالتاریخ مجموع القوانین التي تشیر إلى مقصد خفي یتحقق تدریجیا أو جدلیا، ویتساءل الفیلسوف أیضا عن ماهیة الإنسان، عما یمیزه عن سائر الكائنات، فیقول إنه التاریخ ».

نلاحظ أن التاریخ هو مجال اهتمام كل من المؤرخ والفیلسوف، فالأول یحقق الوثائق التاریخیة من أجل معرفة ما جرى في الماضي، أما الثاني فهو یعود إلى الأحداث التاریخیة من أجل الكشف عن منطقها ومعرفة القوانین المتحكمة فیها، وتحدید الغایة التي تسعى إلیها. یربط الفیلسوف بین التاریخ وماهیة الإنسان ویعتبر أن الإنسان كائن تاریخی، فإذا كانت الحیوانات غیر العاقلة تعیش أنماط عیش ثابتة تتحكم فیها قوانین غریزیة في الحاضر، فإن الإنسان على العكس من ذلك یطور أنماط عیشه ویستفید من خبرات الماضي، لأن له ذاكرة.

إذا كان المؤرخ یرید «سرد ما جرى فعلا في الماضي»، فهل بإمكانه ذلك ؟ هل یمكن للمؤرخ أن یقدم لنا أحداث الماضي بدقة وموضوعیة أم أن دراسة الماضي التاریخي تتم انطلاقا من ذاتیة المؤرخ وهواجسه في الحاضر ؟

إذا كان الفیلسوف یهتم بالكشف عن القوانین التي تحكم الأحداث التاریخیة وكذا الغایات التي تسعى نحوها، فهذا یدفعنا إلى التساؤل: هل هناك منطق تخضع له الأحداث التاریخیة ؟ هل هناك غایة نهائیة للصیرورة التاریخیة ؟ وهل التاریخ یتقدم بشكل حتمي وتراكمي ومتصل أم أن هناك قفزات وطفرات وصدف وأحداث عرضیة في التاریخ ؟

وحینما نقول إن الإنسان كائن تاریخي، یتبادر إلى ذهننا أن الإنسان هو الذي یحدث الأفعال التاریخیة. لكن ما حقیقة أن الإنسان هو محدث الأحداث التاریخیة ؟ هل هو الذي یصنع الأحداث التاریخیة أم أن هناك عوامل موضوعیة هي التي تتحكم في الصیرورة التاریخیة ؟

المحور الأول: المعرفة التاریخیة

طرح الإشكال

یقول ریمون آرون: « سیكون الموضوع في … إن الماضي حاضر على شكل آثار ما زلنا إلى حد الآن نراه ونفهم معناه، لكنها أحداث لا توجد الیوم ولا یمكنها. إن هذه الحالة مركبا من أحداث الوعي التي كانت موجودة آنذاك توجد أبدا. فما نرید معرفته لم یعد له وجود … إن موضوع التاریخ واقع لم یعد له وجود، وهذا الواقع هو واقع إنساني. فتصرفات المحاربین كانت ذات دلالة، والحرب لیست واقعة مادیة ».

إن دراسة التاریخ إذن لا تتعلق فقط بدراسة الأحداث والآثار المادیة، بل بدراسة أحداث الوعي أیضا، أي الدلالات والأفكار التي كان یحملها الفاعلون التاریخیون. وهذا ما یجعل دراسة التاریخ دراسة معقدة وصعبة، لأنها تتعلق بالظاهرة الإنسانیة في بعدها التاریخي. ثم إن موضوع هذه الدراسة هو موضوع لم یعد له وجود في الحاضر، هناك فقط آثار ووثائق تدل علیه، فهل یمكن إذن معرفة الماضي التاریخي انطلاقا من الوثائق والآثار المادیة ؟ وهل یمكن للمؤرخ أن یتناول المعرفة التاریخیة بشكل موضوعي أم أن ذاتیته تحضر أثناء هذه الدراسة ؟ ولماذا نرید معرفة الماضي ؟ هل من أجل معرفته كماضي أم من أجل الاستفادة منه في الحاضر ؟ كیف إذن یمكن معرفة التاریخ ؟ بأیة وسائل ومناهج ؟

أطروحة ابن خلدون: المنهج النقدي في دراسة التاریخ

یمیز ابن خلدون بین ظاهر التاریخ وباطنه، ویعتبر أن التاریخ في ظاهره هو مجرد سرد وحكي وإخبار عن وقائع حدثت أو یعتقد أنها قد حدثت في الماضي. أما باطن التاریخ فهو الكشف عن أسباب حدوث تلك الوقائع بعد أن تخضع للتمحیص والتحقیق والنقد العقلي. ویرى ابن خلدون أن هناك غایة أساسیة من دراسة التاریخ، هي تلك التي تتمثل في أخذ العبرة الأخلاقیة والفائدة السیاسیة من الأحداث والأحوال التي عاشتها الأمم السابقة. ولهذا فالهدف من دراسة التاریخ هو الاستفادة منه في الحاضر، ولتحقیق هذا المراد یدعو ابن خلدون إلى ضرورة أخذ الحیطة والحذر مما یروى عن الماضي من أحداث، إذ الكثیر منها قد یكون وهمیا وخاطئا. ولن یكون هذا الحذر ممكنا إلا بإخضاع الأخبار المنقولة إلى أصول وقواعد مستمدة مما درج على تداوله في مجال السیاسة ومما یمیز طبیعة الاجتماع البشري.

هكذا یوجه ابن خلدون نقده إلى مجموعة من المؤرخین الذین كانوا لا یتحرون الدقة في نقل الأحداث، مما یجعلهم یقعون الأوهام والمنزلقات ویقدمون أخبارا لا تاریخیة ولا واقعیة، هي من قبیل الحكایات الخیالیة المبالغ فیها. من هنا وجب حسب ابن خلدون تأسیس المعرفة التاریخیة على منهج نقدي یعتمد على تحقیق الأخبار وإخضاعها إلى قواعد ومبادئ واقعیة، مستمدة من أصول العادة وقواعد السیاسة وطبیعة العمران البشري، ویعتمد فیها على قیاس الغائب على الشاهد وسبرها بمعیار الحكمة والعقل.

ولكن السؤال الذي یطرح نفسه هنا هو: هل یكفي المنهج النقدي من تحقیق معرفة دقیقة وموضوعیة بالماضي التاریخي ؟ ألا تتطلب المعرفة التاریخیة نوعا من الذاتیة والتعاطف لسبر أعماق الوقائع وفهم أحداث الوعي ولیس فقط الأحداث الماضیة ؟

أطروحة هنري مارو: أهمیة منهج التعاطف في بناء المعرفة التاریخیة

إذا كان المنهج النقدي یوفر الشروط الموضوعیة للمعرفة التاریخیة، فإن هنري مارو یرى بأنه یلزم أیضا إضافة ما سماه بالشروط الذاتیة لفهم الماضي بشكل أفضل. هكذا یكون على المؤرخ أن یمارس نوعا من التعاطف، ویربط نوعا من الصداقة مع الموضوع التاریخي الذي یدرسه حتى یتمكن من النفوذ إلى أحداث الوعي، أي تلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت الفاعلین التاریخیین وهم ینجزون أحداثهم.

هكذا یرى هنري مارو أنه یمكن إحداث نوع من التضافر والتكامل بین المنهج النقدي ومنهج التعاطف في بناء معرفة حقیقیة بالوقائع التاریخیة. غیر أن هذا الجمع بینهما لیس بالأمر السهل، ولذلك یجب تجنب التقصیر والإجحاف الذي قد یطال المعرفة التاریخیة من جراء تطبیق المنهج النقدي الصارم، كما یجب تجنب الغفلة والتواطئ الذي قد یأتي للمعرفة التاریخیة من منهج الذاتیة والتعاطف. ولذلك یبدو أن الرهان هو تحقیق نوع من الذاتیة الموضوعیة التي تناسب طبیعة المعرفة التاریخیة، وهي ذاتیة لا یمكن أن تتحقق إلا بالمزاوجة بین المنهج النقدي ومنهج التعاطف.

المحور الثاني: التاریخ وفكرة التقدم

طرح الإشكال

إن المتأمل في التاریخ یلاحظ ولا شك التقدم الذي حققه الإنسان في شتى المجالات والمیادین، لكن ما یمكن التساؤل حوله هنا هو: هل یتم التقدم بنفس الدرجة والمستوى في كل المجالات ؟ فهل تقدم الغرب مثلا في العلوم یوازیه تقدم في الأخلاق ؟ ثم ما الذي یتحكم في سیرورة الأحداث التاریخیة ؟ هل تخضع لمنطق ما ؟ هل یمكن تعقل السیرورة التاریخیة ؟ وهل یسیر التاریخ بشكل متصل ومتراكم أم على شكل طفرات وقطائع وقفزات ؟ وهل له غایة نهائیة یسعى إلیها؟

التاریخ یتقدم بشكل حتمي ومتصل نحو غایة نهائیة

یعتبر هیجل من الفلاسفة الذین یعبرون في فلسفتهم عن فكرة التقدم كما أفرزتها العقلانیة الأنواریة، التي آمنت بقدرة العقل البشري على تحقیق الأفضل والتحكم في الظواهر الطبیعیة والتاریخیة.

هكذا فالتاریخ الحقیقي وفق الفلسفة الهیجیلیة هو ذلك التاریخ الذي یهیمن على الوقائع ویصوغها ضمن منطقها الداخلي، من خلال تفاعل الشخصیات التاریخیة نفسها مع المقصد الخفي الذي یبلوره المنطق الباطني للتاریخ، حیث یقوم التاریخ وفقا لهذه الفلسفة بتفسیر الوقائع واستخراج القوانین والتنبؤات لما سیحدث. فالعقل كما یراه هیجل هو جوهر التاریخ، ومن ثم فهذا العقل هو الذي یتحكم في أحداث العالم عن طریق التاریخ نفسه، وبالتالي فكل حدث من أحداث التاریخ إنما جرى وفقا لمقتضیات العقل الذي یموضع الأحداث العالمیة لتخدم قصدا معینا أو هدفا محددا، وذلك من تحت مظلة التاریخ.

إن فلسفة التاریخ الهیجیلیة تعتبر العقل نفسه هو من یسیر التاریخ، بحیث یرتب أحداثه على نحو یجعلها سائرة نحو هدف أو غایة بعیدة المدى. على هذا النحو، فالتاریخ لدى هیجل هو عبارة عن منظومة تطور ونمو خاضعة لمنطق باطني كامن في الشخصیات التاریخیة التي لم تكن وفق هذه الفلسفة إلا أدوات لتحقیق هدف التاریخ السائر بشكل حتمي نحو تحقیق غایة نهائیة تتمثل في تجسید حریة العقل المطلقة.

لا یتقدم التاریخ بشكل متصل ولیس له غایة نهائیة

أطروحة إدوارد كار

ینتقد المؤرخ البریطاني المعاصر إدوارد هالیت كار فكرة التقدم التي عبر عنها فلاسفة أمثال هیجل وماركس، حیث رفض إمكانیة الحدیث عن نهایة أو غایة معینة تسعى نحوها الأحداث التاریخیة، واعتبر أن هذا النوع من التصور هو شبیه بالفكر اللاهوتي الذي یفترض بدایة ونهایة للتاریخ. كما ینتقد هذا المؤرخ فكرة التقدم الذي یسیر بشكل متصل ومتراكم، ویرى على العكس من ذلك أن السیرورة التاریخیة غالبا ما تعرف انقطاعات وانحرافات وتوقفات، كما أن درجة التقدم لیست واحدة في جمیع القطاعات والمجالات بل هناك اختلافات وتفاوتات فیما بینها على هذا المستوى بالذات. ولذلك فبذل الحدیث مع هیجل عن معقولیة كلیة للتاریخ، یمكن الحدیث عن عدة تواریخ ممكنة لكل منها منطق خاص یتناسب مع خصوصیتها الداخلیة من جهة ومع طبیعة المجتمعات التي تحدث داخلها من جهة أخرى.

أطروحة كلود لیفي ستراوس

لا یرفض كلود لیفي ستراوس فكرة التقدم في حد ذاتها بل إنه یثمن ما حققته الإنسانیة من إنجازات باهرة في جمیع المجالات، لكنه ینتقد فكرة أن التقدم یسیر بشكل منظم ومتصل، ویقول على العكس من ذلك إن هذا التقدم یتم على شكل قفزات وطفرات ویتحرك في اتجاهات مختلفة. فلیس هناك إذن انتظام وتساوي من حیث درجات التقدم في كل المجالات، فیمكن لدرجة التقدم أن تكون أعلى في المجال العلمي عنها في المجال الأخلاقي أو السیاسي ، كما أن التقدم الحاصل في الدول الغربیة لیس هو نفسه الموجود في باقي الدول الإفریقیة أو الآسیویة.

بالإضافة إلى هذا فزوایا النظر إلى مفهوم التقدم نفسه تختلف وتتعدد، وهذا یعني أن ما تراه جهة ما أو مجتمع ما على أنه تقدم انطلاقا من مرجعیتها الثقافیة والاجتماعیة قد یكون بالنسبة لجهة أخرى انتكاسا وتخلفا، فمن الصعب وجود معاییر كونیة نقیس من خلالها درجة التقدم لاسیما حینما یتعلق الأمر بالعلوم والمجالات التي تطغى فیها أحكام القیمة وتتغلب فیها المنظورات الذاتیة.

المحور الثالث: دور الإنسان في التاریخ

طرح الإشكال

إذا افترضنا أن الإنسان لم یوجد على وجه الأرض، هل كان من الممكن أن تظهر الأحداث والإنجازات التي عرفها التاریخ الإنساني ؟ بالطبع أن الجواب بالنفي. ویترتب عن ذلك أن الإنسان إذن هو الذي صنع التاریخ. لكن ما حقیقة أن الإنسان هو صانع تاریخه ؟ هل كل الناس یصنعون التاریخ أم فئات منهم فقط ؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل یمكن القول إن الفئات الأخرى یصنعها التاریخ أو أنها تخضع لمحددات وعوامل لا دخل لها في صنعها ؟ فما درجة نسبة تدخل الإنسان في تحریك عجلة التاریخ نحو الأمام ؟ وهل وعي الإنسان وإرادته الحرة هي التي تصنع الأحداث التاریخیة أم أن هذه الأخیرة هي نتاج لعوامل موضوعیة تتجاوز الإرادة الإنسانیة نفسها ؟ وهل یمكن الحدیث عن حتمیة تخضع لها الصیرورة التاریخیة أم أن هذه الصیرورة نتاج لحریة الفاعل التاریخي ؟

القول بالحتمیة التاریخیة

أطروحة هیجل: التاریخ یخضع لحتمیة صادرة عن عقل كوني

یرى هیجل أن تاریخ العالم هو مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاتها. هكذا یتمظهر العقل أو الروح الكوني عبر التاریخ متجها نحو تحقیق غایات معینة. ولذلك فالصیرورة التاریخیة تخضع لحتمیة صادرة عن هذه الروح التي تسیطر على جمیع مظاهر الحیاة البشریة. وفي هذا الإطار یرى هیجل أن أبطال التاریخ وعظمائه هم مجرد أدوات تحقق الروح من خلالهم أهدافها الخاصة، فلكل حقبة تاریخیة روحها الخاصة یسمیها هیجل بروح العصر، وهي التي تسیطر على الأفراد وتستعملهم لصالحها الخاص، ومن أجل تحقیق إنجازات حتمیة لا بد أن تظهر في زمانها الخاص ولو ضدا على الإرادات الفردیة.

إن العقل الكوني یسكن داخل الشخصیات التاریخیة ویتواجد داخل لا وعیها، وهو من خلال هذا التواجد یستخدمها لتحقیق غایاته. وما إن ینتهي دور تلك الشخصیات وكفاحها من أجل تحقیق الغایات الكونیة للعقل حتى تختفي من مسرح التاریخ دون أن تحقق سعادتها الخاصة.

أطروحة ماركس: التاریخ یخضع لحتمیة مادیة

لقد استبدل ماركس الحتمیة المثالیة الهیجیلیة بحتمیة مادیة تنتقد الأولى وتقلبها. هكذا رفض ماركس أن یكون هناك عقل كوني أو روح مطلق هو الذي یتحكم في الصیرورة التاریخیة ویوجه أحداثها، ورأى على العكس من ذلك أن الممارسة المادیة المتمثلة في نمط الإنتاج السائد هي التي تتحكم في وعي الناس وتوجه الأحداث التاریخیة.

من هذا المنطلق اعتبر ماركس أن كل أشكال الوعي المختلفة، سواء كانت دینیة أو سیاسیة أو فنیة أو غیرها، هي نتاج لأسالیب العیش المادیة والاجتماعیة التي تتجلى في أنماط من علاقات الإنتاج السائدة بین الطبقات الاجتماعیة. فالصراع الطبقي حول المصالح الاقتصادیة یلعب دورا كبیرا في تحریك عجلة التاریخ، كما أن سیر الأحداث التاریخیة لا یتوقف على وعي الأفراد وإراداتهم الحرة بل إن المحرك الأساسي لها هي العوامل المادیة والاقتصادیة التي تتجاوز الإرادات الخاصة للأفراد وتشرط وعیهم. وما دام الوعي مشروطا بعوامل خارجیة، وما دام أن الوعي هو الذي یفترض أنه یجعل الإنسان صانعا لتاریخه، فإن ما یصنع التاریخ في هذه الحالة لیس هو وعي الأفراد بل عوامل مادیة واجتماعیة تتجاوز حریاتهم.

القول بحریة الإنسان في صنع التاریخ

لقد تعرضت الماركسیة لتأویلات وقراأت مختلفة، من بینها القراءة الخاصة التي قدمها الفیلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر الذي بین أن الفلسفة الماركسیة هي فلسفة تدعو إلى التحرر والانعتاق، ورغبة الطبقة العاملة في السیطرة على وسائل الإنتاج وتوجیه أحداث التاریخ لصالحها.

وقد اعتبر سارتر أنه إذا كان الناس یتحركون ضمن شروط واقعیة سابقة على وجودهم، فإنهم مع ذلك هم الذین یصنعون تاریخهم ولا یمكن اعتبارهم مجرد أدوات فاقدة للوعي. وإذا كانت فئة من الناس في ظرفیة زمنیة معینة لا تصنع التاریخ، فإن فئة أخرى تصنعه. ومن هنا یظل الإنسان هو الفاعل الحقیقي للأحداث التاریخیة، بالرغم من أنه یقع أحیانا ضحیة الاستغلال الناتج عن الهیمنة الاقتصادیة والاجتماعیة.

إن التاریخ حسب سارتر هو نتاج للفاعلیة البشریة التي تحقق من خلاله مشروعها الخاص، لكن هذا التاریخ مع ذلك سیظل غریبا عن الإنسان ما لم یتحرر من الاستغلال والهیمنة ویستفید من كفاحه ومجهوده الذي سیمكنه من صنع التاریخ وتملكه، وإعطائه معنى یتماشى مع طموحاته وغایاته الخاصة.

أمثلة للإنشاء الفلسفي اداب وعلوم انسانية ثانية باك pdf – الفلسفة 2Bac علوم انسانية – Philosophie

هل تدرس في السنة ثانية باك؟ هل تبحث عن تحميل جميع دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية والموجود ضمن دروس أمثلة للإنشاء الفلسفي مادة الفلسفة ثانية باك؟

 إذن أنت في المكان الصحيح. ففي هذه الصفحة قمنا بتجميع جميع ملخصات دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية pdf. بالإضافة إلى بعض تمارين دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية Pdf

سيستفيد من هذه الملفات جميع التلاميذ والأساتذة، كل من يبحث عن ملخصات أمثلة للإنشاء الفلسفي دروس الفلسفة باك حر وثانية باك اداب وعلوم انسانية. وستساعدك على تحصيل جيد والحصول على نقط مرتفعة.

أمثلة للإنشاء الفلسفي: دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية

ومن أجل تحضير دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية الدورة الثانية والدورة الأولى بشكل جيد، قمنا بتجميع عدد كبير من دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية وكذلك ملخص دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية على شكل ملفات Pdf. بالإضافة إلى عدد كبير من ملخصات دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية تمارين وحلول Pdf الدورة الأولى والثانية .

أمثلة للإنشاء الفلسفي: دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية

وهذه لائحة لجميع ملخصات دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية لمادة الفلسفة:

1- أمثلة للإنشاء الفلسفي ثانية باك: مادة الفلسفة 2Bac اداب وعلوم انسانية:

من أجل تحميل ملخص درس أمثلة للإنشاء الفلسفي من دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية Pdf من الجدول اسفله يمكن مشاهدة أو تحميل ملخصات درس أمثلة للإنشاء الفلسفي ثانية باك اداب وعلوم انسانية.

أمثلة للإنشاء الفلسفي:

أمثلة للإنشاء الفلسفي ثانية باك اداب وعلوم انسانية التحميل/المشاهدة
الإنشاء الفلسفي للسؤال الإشكالي المفتوح
الإنشاء الفلسفي حول قولة لتروتسكي
الإنشاء الفلسفي حول قولة لرونيه ديكارت
الإنشاء الفلسفي حول نص النظرية والتجربة
الإنشاء الفلسفي حول نص لرونيه ديكارت

أمثلة للإنشاء الفلسفي: دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية

اتمنى ان تكون قد استفدت من ملخص دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية. يمكنك الاستفادة من هذه الصفحة كما تستطيع مشاهدة دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية على الموقع دون تحميل. 

تحضير دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية، ونماذج فروض دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية مع التصحيح الدورة الأولى والدورة الثانية بالاضافة الى تحضير دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية وفروض دروس الفلسفة الدورة الأولى والثانية ثانية باك اداب وعلوم انسانية مع التصحيح تم دروس الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية.

جميع الدروس مصنفة ومرتبة حسب المقرر المغربي والكتاب المدرسي في الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية تمارين وحلول pdf، ووفق مقرر الفلسفة ثانية باك اداب وعلوم انسانية. جميع الدروس التمارين والدوس على شكل Pdf للتحميل مجانا علر موقعنا Talamidi تلاميذي

Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads