Ads Ads Ads Ads

مفهوم التواصل – تحليل نص ‘التواصل’ لنور الدين أفاية – دروس النصوص – اللغة العربية

المستوى: الأولى باك علوم تجريبية والأولى باك علوم رياضية

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : مفهوم التواصل – تحليل نص ‘التواصل’ لنور الدين أفاية

سياق النص

التواصل باللغة، وغير اللغة، وداخل المجال التداولي، والمخيلة فيه ركيزة أساسية، من انشغالات الفكر المعاصر الذي عاب على عقلانية الحداثيين، ممارسة سلطة العقل والعلم بكيفية آلية قزمت حضور الإنسان، وأفضت إلى إيديولوجية لا عقلانية تغيب فيها الأخلاق وتحضر السيطرة والتشييء، فالتواصل اللغوي وغير اللغوي يحمل خبراً يتحول إلى سلوك، ودلالة على مضمون، وتتعدد السلوكات والمضامين وتتعالق وتتفاعل فتسنج علاقات بين الأنا والآخر ليست دائما رهينة تواصل جيد، والتواصل الما بعد الحداثي هو تواصل مفتوح يعبر عن أزمة الكائن البشري في هذا الكون، وعجزه عن بناء جماعة إنسانية منسجمة رغم الشعارات المثالية للفكر الليبرالي الحر أول من ينتهكها منتجوها.

وفي هذا الإطار يحاول أفاية مقاربة مفهوم التواصل في كتابه ”المتخيل والتواصل، مفارقات العرب والغرب” حيث يرى أن وسائل التواصل الحديثة فرضت نفسها بصورها ومخيلتها في تكوين المعارف والتزويد بها، فتجاهلها تجاهل للواقع لا وعي به، وأن الضرورة باتت ملحة في ظل الآفاق المنفتحة للتواصل لتقييم الأنا والآخر لمدركاتهما عن بعضهما وتصحيح المختل منها في إطار تفاعل إيجابي بعيد عن الاستعلاء والهيمنة أوالرفض والمعاداة.

ملاحظة النص

بالنظر إلى عنوان النص، ومن خلال نظرة عمودية سريعة في صدور الفقرات يتضح أنه يرهن تقاطع الفردي والجماعي بوجودهما في دائرة التواصل القائم على انتقال الرسالة اللغوية أو الخدمات أو الممتلكات على نحو تفاعلي بين المرسل والمرسل إليه مبثوثة ومستقبلة داخل سياق سوسيوء سيكولوجي يضبط العلاقة بين أطراف عملية التواصل، بما يؤسس شكل التبادل داخل الجماعة المتواصلة على مستوى المدرك الذهني والسلوك الاجتماعي والوجداني، الذي لا يخلو من اضطراب أو تعقيد بسبب كثرة المعيقات المرتبطة بالمصالح أو الخلفيات الإيديولوجية.

فهم النص

تقوم مقاربة مفهوم التواصل في النص على دعامات فكرية أساسية هي:

  • التواصل شرط لقيام الحياة الاجتماعية باعتباره تبادلا لبلاغات مشحونة بدلالات متعددة سواء أكانت رموزا وعلامات أو خدمات وممتلكات.
  • التواصل وسيلة للتنشئة الاجتماعية لدوره في تكوين الفرد وتشكيل وعيه بنفسه وبالعالم بما يتمثله ويستضمره من تجارب وسلوكات من يتفاعل معهم.
  • اللغة بعلاماتها اللغوية وغير اللغوية أساسية في تأمين التواصل في إطار تبادلي تتسع دائرته لتشمل الجماعة اللسانية باعتبارها حاملة للمعاني والأخبار وقابلة للتفكيك والتأويل..
  • اعتبار العلامات غير اللسانية لغة تعكس سلوكا قابلا للإدراك، مرتبطا بحالات الوعي، ومصنوعا قصدا من أجل الإيحاء، أومن أجل أن يتأثر الشاهد بالرسائل مشفرة، أو حتى غير المقصود ولا الواعي، يدفع بالتواصل إلى تجاوز المرسل والمستقبل والتركيز على العلاقة التي تجمعهما.
  • طبيعة التواصل المعقدة باعتباره عملية تداولية تفاعلية قد تصادف معيقات مرتبطة بسوء الفهم وانعدام القصد وحالات مرضية لبعض الأطراف ومصالح خاصة وأحكام مسبقة، وهي معيقات تفضي إلى الغموض والاضطراب.
  • حصول عمليات التفاعل المتعددة والمعقدة داخل سياق تواصلي متناسب الايقاعات تحكمه اعتبارات نفسية ومستويات سياسية وسوسيواقتصادية وثقافية وسياسية خاضعة للمصالح والمرجعيات والمسبقات المتحركة داخل الرسمال الرمزي للجماعة التواصلية المحددة.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع النص حقلان دلاليان أحدهما لساني والآخر اجتماعي، ويصب الحقلان كلاهما في فلسفة التواصل مفهوما وتشكلا ووظائف وأبعادا، ويتعلق بمجال اللسانيات كل الكتل اللفظية المتعلقة بعالم الدلالات والرموز والعلامات والتداول ومنطق اللغة وعمليات الإرسال والتلقي والتعبير والانفعال والإدراك والتأويل، ويرتبط بعلم الاجتماع كل الألفاظ المحيلة إلى السلوك الاجتماعي الفردي أو الجماعي تبادلا كان أو وعيا أو تفاعلا أو تنشئة أو اتفاقا أو اعتباطا أو نمطا أو موقعا أو سياقا أو علاقات أو مستويات وعوامل، والملاحظ أن الحقلين متداخلين نظرا لأن الوظيفة التواصلية للغة لا تتحقق إلا بفعل التفاعلات الاجتماعية بكل مستوياتها وتعقيداتها وخلفياتها وقيودها.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن التواصل يسهم في التنشئة الاجتماعية، وهو رأي لا يحتاج إلى تبرير لأن اللغة التي يتعلمها الإنسان وترافقه في حياته ببعديها اللفظي والأيقوني في جوهرها قائمة على أساس التواصل، فهي شرط للحياة الاجتماعية و ضرورة من أهم ضروراتها؛ وهي تحقيق التواصل في هذه الحياة وأساس لتوطيد التعايش فيها، ومن هنا لا يمكن تصور حياة بلا لغة، وكذلك لا حياة بدون تواصل. فالتواصل جوهر وجودي أساسي للإنسان، من خلاله يرتبط هذا الأخير بالأشياء ويبني إدراكا ووعيا خاصا، ويستفيد من تجارب ويستبطن رؤى ويكون قناعات وينشئ معاني وينسج قيما ومعايير للحكم على تلك الأشياء ويصنع صورا عن الآخرين وعن نفسه.

يشير الكاتب إلى أن التواصل قد يتعرض لعوامل سلبية تسبب له أضرارا بالغة، ذكر منها غموض الرسالة المتبادلة وسوء الفهم والاضطراب في العلاقة بين المتواصلين، وهذه العوامل مرتبطة إما بمرسلين ومستقبلين غير أسوياء تتحكم فيهم أنا مريضة أو متعالية، أو برسائل محكومة بمصالح ذاتية أحادية أو خلفيات إديولوجية أو عوامل نفسية أو سياسية أو مستويات اجتماعية واقتصادية أو حمولات ثقافية متعارضة أو أحكام جاهزة مسبقة، مما يعني أن التواصل البشري عملية بالغة التعقيد، وليست سلسة دائما، وتتطلب جهدا كبيرا من الأطراف المتعددة لتأمين الفهم والوصول إلى التفاهم.

معنى قول الكاتب أن ” كل تواصل يحمل في ذاته خبرا ويولد بالتالي سلوكا” يرتكز على أن اللغة في نظره حوار بين عقول المتحدثين، تهدف إلى إقامة جسر التفاهم وبلوغ الإجماع بصدد عدد من القضايا. واللغة هنا جملة قواعد تؤسس للاتصال بين الناس وليست أصواتا تلقى شذر مذر، بل إن كل فعل لغوي يندرج ضمن تحققات لها منطلقها واستعمالها الخاص، وهي مرتبطة بأنماط حياة كما يقول فيتجنشتاين، لذا فإن كلا من الصحة والمصداقية والمعيارية والمسؤولية تهم البعد القيمي للمنطوق وتقدم البرهان على ماتقول. ومن ثم فاللغة بوصفها نظاما رمزيا من ضمن الأنظمة الرمزية التي يسخرها العقل في استلهامه للخيال أو إدراكه المعقلن، تلعب دورا فاعلا في فهم الآخر (الغريب منه أو القريب) والأشياء الممكنة (الحدسية منها والمحسوسة) في عوالمنا. فمعرفة العالم وتمظهراته الاجتماعية يمر خلف إسار اللغة وقواعدها وتراكيبها وعن طريق التداول، فلكل حادث حديث ومتحدث وسياق. ونحن عندما نحاول أن نعبر عن شيء ما قد نصيب فيكون المعنى واضحا، وقد يخوننا التعبير فيكون المعنى غامضا، والمعنى هنا هو الشيء المحدد لمعظم تعبيراتنا الاتصالية. والاتصال عبر المعنى يسمى تواصلا، ولو خلا التواصل من المعاني لانتفى القصد والهدف من اتصال الإنسان باللغة والكلام. وغاية العقل التواصلي أن يجنح العقل الكامن فيه إلى التذاوت المؤدي إلى التفاهم وتداخل الحقائق، فالقول والفعل مرتبطان؛ وليس القول هنا بمعنى التصوير والتمثيل أو البيان. فالتواصل يشير إلى ما يفعله المتكلم بقوله، والغرض القصدي من ذلك هو التفاهم بين الذوات وهنا يرفض أن يبقى مفهوم العقل حبيس فلسفة الوعي القائمة منذ ديكارت على ثنائية الذات والموضوع والخير والشر…الخ. فمهما بلغ هذا العقل “الديكارتي” من قوة في حسن التفكير ودقة في التحليل، فهو عاجز اليوم عن تصور خلاص لأزمة البشرية. لذا تقترح فلسفة التواصل الاستغناء عن الذاتية (صوبجيچتيڢيتé) والاستعاضة عن الفكر الأحادي والتأمل المونولوجي بتواصل فكري مزدوج قوامه التذاوتية (ىنتيرسوبجيچتيڢيتé) مع الآخر وبالآخر، وهو محصلة العلاقة بين أنا وأنت. مما يفسح المجال إلى تواصل مزدوج قائم على الحوار المتبادل في مظهره العقلاني المقرون بسياق لغوي تداولي يعتمد البرهان وأسلوب المحاججة.

الأسلوب اللغوي

استثمر الكاتب في النص الكثير من أدوات الربط المنطقي والدلالي واللفظي، منطقيا شكل الانتقال من العام إلى الخاص، ومن الكل إلى الجزأ، وعبر علاقات السببية والتزامنية والاقتضائية مدخلا لبناء مفهوم التواصل وتفكيك أبعاده وتتبع معيقاته واستنتاج طبيعته التفاعلية المعقدة بشكل تحليلي وصيغ استدلالية صارمة تستمد قيمتها المنطقية من نتائج العلوم الللسانية والاجتماعية ونظرياتهما الأكثر تحيينا وتمحيصا، أما على المستوى التركيبي والأدوار الدلالية التي تضطلع بها أدوات الربط الشكلية فقد مثلت مجموعة من الأساليب ذات الطبيعة التفسيرية التي تسعى إلى بناء المفهوم وتشريح أبعاده وتوسيع نطاق تداوله عبر ركام من التصورات متعددة المرجعيات العلمية ذات كفاية منطقية رصينة، قنوات لتأمين الانسجام الدلالي والتماسك المنطقي، ومن ضمنها التكرار والترادف والاعتراض والضمائر وحروف التوكيد والعطف والتفسير، والألفاظ الدالة على العموم والتوصيف ( بصفة عامة، بوصفه تبادلا..، يمثل، يشكل…)، والوثوق والاستيقان ( لاشك أن ..، معلوم أنه..، المهم أن…)، والاسترسال في التحليل والاستنتاج ( وهكذا فإن، كما أنها، ثم إنه، ومن ثمة يغدو…، وبالتالي…، كل تواصل إذن…، كل هذا يفضي إلى …، والشرط والجزاء ( إذا تجاوز التواصل .. فإنه يصبح..، ومهما يكن… فإن هناك..، والاستدراك والإضراب ( ولكنها تشغل كذلك بما هو غير كلامي، بل إن …).

استخدم الكاتب اللغة التقريرية في عرض مفهوم التواصل، وهيمنت الجمل التقريرية على النص طالما أنه منشغل بمقاربة لمجال مفهومي يستدعي جهازا اصطلاحيا دقيقا مستمدا من مجال اللسانيات والسيميولوجيا وعلو الاجتماع والفلسفة وعلم النفس، وإلى معجم مباشر وتراكيب وظيفية ذات بعد وصفي وتفسيري كاف لتأمين وصول المفهوم واضحا ومقنعا إلى متلق خاص يفترض أنه يتحكم بشكل ما، أو على الأقل يسهم في بناء الأنظمة الرمزية الدالة المشكلة للوعي الإنساني المعاصر بما يختزنه من رؤى متوافقة أو متعارضة للأشياء والقيم والخير والجمال والأنا والآخر.

تركيب وتقويم

التواصل كما يقول شارلز كولي “هو العملية التي توجد بواسطتها العلاقات الإنسانية وتتطور…”، ولذلك فالبعد الواقعي للتواصل لا يتطلب التأسيس النظري بل يرتبط بانطباعية اللقاء ويظهر في تجارب التعاطف الوجداني والمعايشة النفسية والتخيل.

إن الرغبة في التواصل هي فعل يتأسس أولا وقبل كل شيء على الفهم والإحساس بالآخر في إطار تصوري موضوعي للعلاقات البشرية لا يكتفي بالتركيز على البعد الاقتصادي الاجتماعي بل يتعدى ذلك نحو الكشف عما في هذه العلاقات من معنى وجود ونمط حياة بالمعنى العميق والكوني للكلمة.

إن التواصل وإن كان ينطلق من إستراتيجية تحقيق الإنا والتأثير في الغير إلا أنه يهدف في العمق إلى تكوين فضاء عمومي يكون بمثابة مسطح تنبني فوقه العلاقات القائمة على الاختلاف والحوار وسيادة روح الديمقراطية والتسامح. من هذا المنطلق تدعو الفلسفة المعاصرة خاصة مع هابرماس وآبل وراولز وتايلور إلى تشييد نموذج آخر للتواصل يعوض التعاقد Cونتراتالاجتماعي الكلاسيكي بين الفرد والمجتمع بتوافق Cونسينسوس تبلوره المناقشة العامة عبر المداولة الحرة بين جميع أفراد المجتمع بهدف تجسيد المواطنة الديمقراطية التي تسمح بخلق علاقة تشاورية تشكل أرقى مستوى من الديمقراطية التمثيلية، وبإعادة الاعتبار إلى الذات الفاعلة في الفضاء العمومي والمشاركة بايجابية في الشأن العام. بيد أن “التواصل في مجتمع برجوازي معولم يتعثر بسبب المؤسسات المحافظة والعلاقات النزاعية بين الطبقات، ومن ثم ينبغي أن يكون التفاعل الاجتماعي ثوريا…” لكن إذا كان الواقع المعاش لا يحتمل انجاز الحلم الثوري كما تصوره فلسفة ماركس ألا ينبغي أن نبدأ في تطوير جذري لحقل التواصل بين البشر ونوفر معطيات يمكن تبليغها للآخرين رغم الحواجز والتحفظات البيروقراطية؟

مفهوم التواصل – مدخل مفاهيمي – دروس النصوص – اللغة العربية – الأولى باك علوم

المستوى: الأولى باك علوم تجريبية والأولى باك علوم رياضية

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : مفهوم التواصل – مدخل مفاهيمي

مفهوم التواصل

التواصل لغةً هو الاقتران والاتصال والصلة والترابط والالتئام والجمع والإبلاغ والانتهاء والإعلام، وتعني إنشاء علاقة ترابط وإرسال وتبادل، وتوَاصلَ الصَّديقَانِ، أي واصلَ أَحدُهما الآخرَ فِي اتِّفَاق ووئام: اجْتمَعا، اتَّفَقا، وتواصَلَ الحديثُ حَوْلَ الْمَائِدَةِ: أي تَوَالَى، وتواصلتِ الأشياء، أي تتابعت ولم تنقطع.

أما التواصل اصطلاحاً فهوعمليّة نقل للأفكار والتجارب وتبادل المعارف بين الأفراد والجماعات، وقد يكون التواصل ذاتياً بين الإنسان ونفسه أي حديث النفس، أو جماعياً بين الآخرين، وهو مبنيٌّ على الموافقة، أوالمعارضة والاختلاف، كما ويُعدُّ جوهر العلاقات الإنسانيّة وهدف تطويرها؛ لذلك يوجد وظيفتان رئيسيتان للتواصل: وظيفة معرفيّة متمثلة في نقل الرموز الذهنيّة وتوصيلها بوسائل لغويّة، وغير لغويّة، ووظيفة وجدانيّة تقوم من خلال تقوية العلاقات الإنسانيّة.

أهميّة التواصل

التواصل هو وسيلة لفهم النّاس، فالإنسان يحتاج إلى أن يتواصل مع غيره حين يريد أن يستعلم عن شيءٍ معين، كما هو وسيلة لفهم طبائع النّاس، فالإنسان قد يسمع الكثير عن شخصٍ معيّن، ولكن حصول تواصل مباشر بينها قد يجلّي حقائق كثيرة عن الشّخص لم تستطع الأخبار نقل صورةٍ صحيحةٍ وحقيقيّة عنها، وفي الأثر ليس الخبر بالمعاينة، أي أنّ رؤية الشّخص أو الشّيء غير السّماع عنه، وبالتّالي فإن أهميّة التواصل تكمن في أنّها تجلّي كثيراً من الحقائق التي قد تكون ملتبسة، كما أنّها تتيح للإنسان رؤية الصّورة الحقيقيّة التي لا زيف فيها للشّخوص والأشياء.

التّواصل يعدّ وسيلة لتحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال، فالإنسان حين يضع نصب عينه هدفًا معيّنًا فإنّه لا يستطيع تحقيقه بدون أن يتواصل مع غيره من النّاس، فجهود النّاس مسخّرة لخدمة بعضها البعض، كما أنّ سنّة الحياة الدّنيا مبنيّةً على التّعاون وتبادل الخبرات والمهارات بين النّاس فكلّ واحدٍ لديه شيء يميّزه عن أخيه؛ وبالتّالي يشكّل التّواصل فرصةً لتبادل المهارات والخبرات التي تؤدي بالنّتيجة إلى تحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال.

كما أنّ التواصل يعدّ وسيلة لإيصال الرّسالة، فقد استخدم الأنبياء أسلوب التّواصل مع أقوامهم من أجل إيصال رسالة الله سبحانه وتعالى للبشر وتبليغ شرائعه وتعاليمه للنّاس، كذلك يستخدم المعلم والمربّي أسلوب التّواصل حين يريد إيصال رسالة التّعليم إلى طلابه وشرح العلوم المختلفة لهم، وهذا الأسلوب ينطبق على كثيرٍ من النّاس الذين يحملون رسالة نبيلة في حياتهم ويودّون توصيلها إلى النّاس.

التّواصل كذلك وسيلة لحلّ المشكلات والخلافات بين النّاس، فالإنسان السّاعي بالخير والإصلاح بين النّاس يتواصل مع المتخاصمين من أجل أن يصلح ذات البين بينهم. وهو أيضاً أسلوب يستخدمه السّياسيّون وأصحاب البرامج، فالسّياسي الذي يطمح في الوصول إلى المناصب السّياسية في الدّولة مثل نواب الشّعب يستخدم أسلوب التّواصل مع قاعدته الشّعبيّة من أجل شرح برنامجه السّياسي وما ينوي فعله من أجل خدمة النّاس وحسن إدارتهم.

أنواع التواصل

التواصل اللساني

أي عن طريقِ اللغة، وهي مجموعة من العلامات والإشارات التي هدفها التواصل أثناء اتحاد الدال والمدلول بنيوياً، وتقاطع الصورة السمعيّة مع المفهوم الذهنيّ، ويذكر ابن جني في كتابه الخصائص بأنَّ اللغة هي أصوات يستخدمها قوم للتعبير عن أغراضهم واحتياجاتهم، وهذا يعني تقسيم اللغة إلى: الكلمات، والكلمات بدورها تنقسمُ إلى أصوات، ومقاطع صرفيّة، ولكن الأصوات لا يمكن تقسيمها إلى وحدات، لأنَّ الصوت مقطع لا يقبل التجزئة، فإذا جمَّعنا الكلمات تُصبح جُمَلاً، والجُمل تصبح فقرات ومتواليات، والفقرات تصبح نصاً، ويكون النص عبارة عن تأليفٍ والذي هو اللغة، ومن أنماطه: التواصل مع الذات عن طريق وعي الذات بوجودها، وماهيتها، ووعيها الداخليّ للعالم ونمط التواصل بين الفرد والآخرين، لأن فهم الآخر يساعد الفرد على فهم نفسه، وتنمية الروح المشاركة بينه وبين الجماعات.

التواصل غير اللفظي

إنّ النظر في السلوكات غير اللفظيّة في علوم التربيّة كان أحد أهداف علماء النفس والاجتماع، وذلك لفهم التواصل في إطار الديداكتيكيّة من جميع جوانبها خاصة الجانب السيكواجتماعيّ، أي الآثار المعرفية والوجدانية التي تحدثهما السلوكات غير اللفظية؛ ونظراً لأهميتها التربويّة في توضيح السلوكيات اللفظية لم تعد هذه الحركات قاصرة على اللغة الطبيعيّة، فهي تُكمل وظيفتها، وتوضحها عن طريق التشخيص والتجسيد؛ لذلك ينبغي النظر إلى السلوكيات غير اللفظيّة بمنظار بُنيويّ كليّ متفاعل مع جميع السلوكيات الأخرى، لما لها من تأثير ايجابيّ أو سلبيّ على الفرد.

الأهداف الأساسيّة للتواصل

  • تشخيص المشاكل، وحلّها بالطرق المناسبة.
  • الدخول في العملية التربوية والتعليمية، وتسهيل عملية التدريب وتعلّم المهارات الجديدة.
  • تقديم النصائح والإرشادات بالإضافة إلى إعطاء التوجيهات التي تزيد فعالية العمل.
  • التغيير الإيجابيّ للسلوك العام، وتغيير المبادئ أو القناعات أو القيم المترسخة في العقل.
  • تحسين عملية الفهم والاستيعاب.
  • تسهيل عملية اتخاذ القرارات المختلفة.
  • التعبير والإفصاح عن كلّ ما يجول في النفس من مشاعر وأفكار.
  • المساعدة في الأبحاث العلمية المختلفة.
  • تبادل المعلومات المختلفة، وذلك من خلال تقديمها من الطرف المرسل، والحصول عليها من الطرف المستقبل.

ضوابط التواصل

للتواصل عدة ضوابط هي:

  • ضوابط التبليغ والإرسال: تشمل هذه الضوابط على العديد من الأمور كحسن البيان، والتعامل برفق مع المتلقي، والتخاطب معه بالحسنى، والنطق بالألفاظ الطيبة عند الحديث مع الآخرين.
  • ضوابط التلقي والاستقبال: وتضم هذه الضوابط على حسن الاستماع للآخرين، وحسن الإقبال على الطرف المخاطب، وتجنب المقاطعة عند قيام الطرف المقابل بالحديث في أي موضوع كان.

عوائق التواصل

هناك مجموعة من العوائق النفسية والسلوكية التي تعيق التواصل وهي:

العوائق النفسية

وهي عبارة عن مجموعة من الأحاسيس والأفكار السلبية التي تدفع الشخص إلى الامتناع عن التواصل الفعال مع غيره، وهذه العوائق على نوعين، وهما:

  • عوائق الإرسال: وتتضمن هذه العوائق على مجموعة من الصفات السلبية التي يحملها الشخص؛ كالتعالي، والغرور بالنفس، وسوء الظن بالآخرين.
  • عوامل الاستجابة: وتشمل هذه العوامل عدة صفات كالكبر والجحود، بالإضافة إلى شعور الشخص بدونية الآخرين.

العوائق السلوكية

وهي عبارة عن عدة صفات منفرة، وتنقسم إلى نوعين هما:

  • عوائق التبليغ: وهي تضم تصرفات الشخص المنفرة؛ كالغضب والانفعال، والتعامل مع الآخرين بعنف وجبروت.
  • عوائق التلقي: وهي التي تشمل على تصرفات معينة للشخص مع الآخرين كالتعامل معهم بالاستهزاء والإعراض والغفلة.

مفهوم الحداثة – تحليل نص رأي في الحداثة لمحمد عابد الجابري – دروس النصوص – اللغة العربية

المستوى: الأولى باك علوم تجريبية والأولى باك علوم رياضية

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : مفهوم الحداثة – تحليل نص ‘رأي في الحداثة’ لمحمد عابد الجابري

سياق النص

النص محاولة من الدكتور محمد عابد الجابري للخوض في جدل عريض يدور في العالم العربي بشكل خاص حول مفهوم الحداثة وخلفياتها الفلسفية وتحققاتها الفعلية وعلاقتها بمنظومة القيم السياسية والاجتماعية والفنية وبماهية الإنسان في عالم رأسمالي يمجد الفرد ويقدسه، ولا يؤمن سوى بقدراته العقلية والمادية المتطورة باستمرار، إنه نوع من الإضافة التي يحاول الجابري ممارستها على مفهوم يبدو منفلتا من قبضة التحديد العلمي الصارم، ومرتبطا بقيود الواقع ورهانات المرحلة التاريخية وسيرورة المنجز الحضاري المتعدد والمختلف. ومن ثم فالنص مجرد رأي للباحث المغربي في الفلسفة والفكر والحضارة، ينبثق من قراءة لتحققات الحداثة في الأمم المتقدمة المشاركة في صناعة المشهد الحضاري العالمي الراهن سواء في أوربا أو أمريكا أو آسيا، وانعكاساتها على تداول الظاهرة وتنزيلها في واقع عربي تسوده أنظمة قروسطية.

ملاحظة النص

يطرح العنوان والملفوظ الأول والأخير في النص إشكال محاصرة مفهوم الحداثة معرفيا الذي يبدو أنه غير ممكن ، طالما أن بنية التصور المرتبط به نسبية ، وتثير الكثير من الجدل في علاقتها بالاختلاف الذي يسم الفكر والواقع لدى مهتمين متعددي المرجعيات والهويات والقناعات، والثابت الوحيد في الحداثات في نظر محمد عابد الجابري كما تحدده النظرة العمودية للنص هو انبناؤها على العقلانية والديموقراطية والحرية والحقوق، وما عدا ذلك فمجرد مواقف وممارسات لاعقلانية ولا علاقة لها بترقية الإنسان ماديا وفكريا واجتماعيا، وهو الهدف الرئيسي للحداثة. ذلك ما سنتحقق منه أثناء تحليلنا للنص.

فهم النص

يطرح النص حزمة من التصورات والقراأت المرتبطة بالحداثة تروم تصحيح بعض الأوهام والمغالطات التي رافقت هذا المفهوم في المتداول العربي فكريا وسياسيا واجتماعيا ، نجملها فيما يلي:

  • رفض الكاتب أن تكون الحداثة مفهوما مطلقا جاهزا ومغلقا، وربطه إياها بتحققاتها الواقعية وشروطها التاريخية التي أفرزت حداثات مختلفة في أوربا والصين واليابان والعالم العربي.
  • حصر الكاتب مفاصل الحداثة في العقلانية والديموقراطية المتجذرتين القادرتين على استئصال كل مظاهر الاستبداد، وتأصيل حداثة خاصة فاعلة في الحداثة العالمية لا منفعلة فحسب.
  • انتقاد الكاتب أصحاب الموقف الفردي الذين يتبنون الحداثة العالمية الجاهزة ، واعتباره طرحا انعزاليا جبريا وقسريا ومتجنيا على الغير رغم ما يوحي به من اشتعال الهدم وإعادة البناء داخل ثقافة ما ، وتأكيده على أن جوهر الحداثة، ليس التحديث من أجل التحديث، وإنما تحديث الذهنية والمعايير العقلية والوجدانية يتجاوز قيمة الفرد في ذاته ليطال الثقافة العامة.
  • رفض الكاتب دعوى من يرفعون شعار الحداثة لأجل الحرية الفردية فقط ، ويرفضون العقلانية لأجل القيود التي تفرضها على الحرية ، معتبرا دعواهم صدى لتيارات حداثية غربية معزولة، ومؤكدا على أن العقلانية في العلاقات والتصورات والسلوك في الحياة الفردية والجماعية هي سر التقدم الغربي.
  • اعتبار الكاتب أن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية أخرجت العقلانية الغربية إلى لاعقلانية قوضت خصوصية الإنسان ككائن حر، أويسعى إلى استكمال وجوده الحر، ونقلت العلم والتكنولوجيا من خدمة الإنسان وحريته وحقوقه إلى إنتاج وسائل التدمير والتجسس والمحاصرة والتطويع، والرد الطبيعي سيمون بالتأكيد رفض هذه اللاعقلانية .
  • نسف الكاتب لموقف بعض أدعياء الحداثة العرب المتلبسين بالموقف العقلاني الغربي دون مرعاة اختلاف الواقع هنا وهناك، على اعتبار أن اللاعقلانية عند العرب مرتبطة بأشكال التخلف والاستبداد الي تقسم المجتمع إلى قطيع وراعي على شاكلة أنظمة القرون الوسطى ، ومن ثم فهذه اللاعقلانية المختلفة تاريخيا تحتاج أولا إلى العقلانية والديموقراطية التي بدأ بها الغرب الصناعي، بعبارة أخرى إلى نهضة وأنوار ومابعدهما.

تحليل النص

المستوى الدالي

يتوزع ألفاظ النص حقلان دلاليان رئيسيان هما: حقل الفكر والفلسفة، وحقل التاريخ والسياسة. ويمكن بيان كتلة انتشارهما في النص من خلال الجدول الآتي:

حقل التاريخ والسياسةحقل الفكر والفلسفة
ظاهرة تاريخية – شروط – ظروف – حدود زمنية – خط التطور – الصين – اليابان – أوربا – تجربة ياريخية – الوضعية الرهنة – الديموقراطية – الاستبداد – النظام – الغرب الصناعي – الاقتصاد – الإدارة – مؤسسات الدولة – الثورة التكنولوجية والمعلوماتية – القرون الوسطى – سلوك القطيع – عصا الراعي  …المعاصرة – العالمية – الحداثة المطلقة – النسبية – النهضة والأنوار – العقلانية – التراث – فاعلين – منفعلين – الأطروحة – المشكلة – التجربة – الفرد والغير – الجماعة – النقد – الإبداع – الثقافة – الذهنية – المعايير العقلية والوجدانية – العلم – التكنولوجيا – القيمة – الخصوصية – الكينونة – السلوك – اللاعقلانية – العلاقات – التصورات – الفكر – الحرية الفردية – الحقوق  …

وبتأملنا للمواد المعجمية المشكلة للحقلين بشكل متواز ومتساو تقريبا يتضح بجلاء أن الحداثة مفهوم وتجل، له خلفية فكرية وفلسفية تصنع أيقوناته التصورية التي تتكيف بشكل من الأشكال مع السياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تشرط وجودها وتقولبها في قوالب تحافظ على المادة الخام للحداثة المرتبطة بتطوير حياة الإنسان تطويرا عقلانيا نفعيا يقود إلى الاكتمال والقوة والاكتفاء، وتحريرها من كل قيود الوصاية والكبت والانتهاك والتخلف، ولكن بمنطلقات ومسارات ونتائج مختلفة تبعا لطبيعة اللحظة التاريخية وذكاء الاستجابة ومرونتها وخاصية الإبداع والقدرة على التجاوز والتحدي لدى الجماعة والثقافة المعنية.

المستوى الدلالي

يرى الكاتب أن الحداثة من أجل الحداثة لا معنى لها، لأنها بذلك تتحول إلى مجرد شعار، أو قناع شكلى وإجراأت سطحية تزيينية لا عمق لها ولا جذور، وتؤول في النهاية إلى محاولة لسلخ الذات وجلدها واقتلاعها من شروط وجودها دون تأصيل للحرية والإبداع والتنمية والإنتاج، ولذلك يؤكد الجابري على كون الحداثة تجربة تاريخية عميقة تكابدها المجتمعات المدعوة نامية، ولكل مجتمع حداثته وفهمه الخاص للحداثة الذي لا يختلف عن التصور النموذجي لها في العمق ، لأنه يستحضر تاريخيته وجدلية الكوني والخاص في حياة الشعوب، فالحداثة نمط من المعرفة والسلوك يصعب استيعابه وتطبيقه دون فهم الشروط الذاتية لمجتمعات ما زالت تعيش التخلف والتقليد والاستبداد، هكذا تصبح الحداثة في نظر الجابري مشروعا معقدا لا مجرد شعار، أو نمط من الإيديولوجيا المسخرة في صراعات مفتعلة ، أو من أجل السطو على السلطة وتكريس مزيد من التبعية والجمود والتخلف ، مشروعا يضع ضمن أولوياته تثبيت العقلانية والديموقراطية كشرطين أساسيين لقيام أية حداثة، وبهذا تكون الحداثة إنجازا وليست نماذج للاستهلاك والإسقاط كما يحصل عندنا ، ولذلك فشلت حداثتنا، إنها صيرورة طويلة ومعقدة ومسبوقة بالوعي الحداثي العقلاني وببناء ديموقراطية حقيقية ، لا منطلقا علميا وسرا تمتلكه النخبة ، أو كائنا جاهزاماضويا أو مستوردا.

عمد الكاتب إلى اتباع سيرورة حجاجية من أجل الدفاع عن وجهة نظره ، والرد على معارضيه، ويمكن تتبع مراحل هذه السيرورة من خلال الجدول الآتي :

الأطروحةالحداثة موقف فردي وتحقيق للحرية الفردية الحداثة اختلاف في مفهوم والتطبيق محكوم بالصيرورة التاريخية لأمة ما، مشروطة بالعقلانية والديموقراطية.
نقيض الأطروحةالحداثة مفهوم كوني جاهز، ونسق فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي متكامل.
الاستدلالاتشرط الفاعلية يقتضي الفهم الخاص للحداثة.
قصر الحداثة على الحرية الفردية يضرب مبدأ العقلانية كشرط لها.
اختلاف اللحظة التاريخية وشروط تحقق الحداثة في الأماكن المتعددة يدحض دعوى أصحاب المنظور الأحادي.
المحصلة المنطقيةالحداثة ظاهرة تاريخية مرتبطة بصيرورة التطور ومشروطة بتوفر التفكير والسلوك العقلانيين والنظام الديموقراطي الحقيقي ـ رفض المطلق والجاهز يؤكده واقع الحداثة وتجاربها.

النص من حيث البنية المنطقية رد على معارض ضمني من سماته أنه من دعاة الحداثة بمفهومها الإطلاقي الشمولي المؤسس على الديموقراطية الليبرالية والعلمانية والعقلانية التجريبية المادية والعلمية والتقدمية والحرية الفردية وحقوق الإنسان باعتبارها نماذج ناضجة ونهائية في الفكر والممارسة الغربية حققت بعدها العالمي بعدما تبنتها المؤسسات والهيئات ذات القرار في المنتظم الدولي، وقد قام الجابري بتمحيص الرأي المعارض وإخضاعه للتحليل المنطقي وصولا إلى بيان ثغراته التي أضعفت حمولته المنطقية وقوته الاستدلالية، وحولته إلى خطاب إسقاطي دغمائي يبتعد عن جوهر الحداثة الذي من أجله حصل ما حصل في الغرب من تقدم، والمرتبط أساسا بتجذير التحول إلى العقلانية والديموقراطية بناء على إكراهات الخصوصية ومتطلبات المرحلة التاريخية والحيز المكاني ( الواقع الراهن ).

الأسلوب اللغوي

استعمل الكاتب روابط لغوية متعددة تناسب سيرورة الحجاج في النص ومن ضمنها استئناف الفقرات والجمل بألفاظ تحيل إلى الوثوقية وتعضد النزعة التمثيلية الاستقرائية ، وتؤمن الوظيفة الإقناعية من قبيل (الواقع أنه ، العمود الفقري الذي يجب ، فعلا لقد عمت العقلانية…) في جمل خبرية دقيقة في أبعادها الإشارية المباشرة والتي تركن أحيانا إلى الاطمئنان إلى بديهيات فلسفية مثل (ليست هناك حداثة مطلقة ـ الحداثة ظاهرة تاريخية ـ كلا ليست الحداثة موقفا فرديا إلا من حيث ارتباطها بالنقد والإبداع…)، ومن ضمنها أدوات التوكيد ( إن ـ أن ـ اللام ـ قد …) والعطف (الواو ، الفاء ـ عطوف البيان والنسق ) والقصر بأساليبه المختلفة (إنماـ النفي والاستثناء …) وتعابير التفسير والتفصيل (وبعبارة أخرى ـ باعتبار أن …)، وضمائر الفصل (إن الحداثة عندنا هي النهضة…، إن العمود الفقري هو العقلانية …) وأساليب النفي والإثبات وهي كثيرة ومسخرة لتثبيت موقف ونسف آخر، وأنماط من التكرار النسقي أو الدلالي أو بغرض التوكيد والتفسير( تكرار لفظ الحداثة ـ تكرار ألفاظ ذات حمولة فلسفية ـ تكرار نواسخ وأفعال وأسماء وقيود…)، والاستدراك والإضراب (ولكن مع ذلك ـ بل هي دوما ـ بل لقد خرجت …) وجمل الاعتراض (إن الحداثة هي، على الرغم من الأهمية التي تعطيها للفرد، ليست من أجل ذاتها …) وبعض أساليب التعريض والسخرية (بعض مدعي الحداثة عندنا يقلدون ـ بعض أدعياء الحداثة …)، وضمير النحن المضخم للذات المتحدثة باعتبارها ذاتا موثوقا بها في مضمار الحجاج والمناظرة الضمنية (نحن نعتقد أنه ـ فإننا لن ننجح …)، كل ذلك من أجل ضمان الاتصال الدلالي بين مكونات الملفوظ الحجاجي، وزيادة حدة الحضور الإيقاني للمعروض المنطقي، ووضع المتلقي في سياق تأويلي يحتاج إلى كثير من التركيز والانتباه، وربط المحمولات المنطقية بعضها ببعض تأمينا للانسجام وتلافيا للتناقض.

تركيب وتقويم

عرض النص مفهوم الحداثة باعتباره ظاهرة تاريخية مشروطة بالسياق الزمني والمكاني الخاص ومرتبطة جدليا بالعقلانية والديموقراطية، ونازع معارضي هذا المفهوم ممن يعتبرون الحداثة مفهوما كونيا كاملا لا يتجزأ يؤخذ كما هو باستدلالات منطقية قادته إلى تأكيد أطروحته التي نسج خيوطها في بداية النص، واستثمر العدة الأسلوبية الداعمة للحجاج بما فيها من روابط لغوية ومنطقية واستعمالات تعزز الوظيفة الإقناعية للغة المستعملة. وفي رأينا أن الحداثة كنموذج غربي منوه به، بالفهم الخاص أو الكوني، وإن حققت الكثير من التقدم العلمي وطورت الحياة المادية والاجتماعية للإنسان ، انتهت إلى تفريغ قيم العالم الحر من مدلولاتها بما أخفته من براغماتية ترتكز على منطق السوق والتجارة وتسوغ الهيمنة والاستعمار ونهب خيرات الشعوب الضعيفة وإخضاعها للتبعية وتبرر العنف والحروب ضدها ، وتهدد البيئة وتشوه الطبيعة الإنسانية، وتعتمد مقياس التبادل نموذجل أوحد للتواصل البشري حتى أصبح الأفراد في المجتمع الغربي ذرات مستقلة لا تربطها سوى علاقة الحاجة والمصلحة.

Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads