Ads Ads Ads Ads

القراءة المنهجية للنصوص الشعرية – دروس التعبير والإنشاء – اللغة العربية – اداب وعلوم انسانية

عنوان الدرس : القراءة المنهجية للنصوص الشعرية

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

المقدمة

  • تعريف الخطاب الشعري بالتركيز على خصائصه العامة ومبادئه الأساسية، وظروف إنتاجه التاريخية والثقافية والفكرية والاجتماعية..
  • تحديد أهم رواده.
  • التعريف بالشاعر.
  • ملاحظة إيحاأت عنوان النص ونوعه وغرضه وهندسته البصرية، ومعالم بنائه الشكلية العامة (عمودي، حر..) ، تاريخ كتابته، مناسبة إنتاجه، وضع الصفحة في مصدره.. قراءة أولية لأجزاء منه (بدايته، وسطه، نهايته)، ملاحظة الصورة المرفقة به إن وُجدت..
  • من خلال تلك الملاحظات نفترض ونتوقع نوعيته، وطبيعة الخطاب الذي ينتمي إليه، وكذا فكرته العامة.
  • طرح أسئلة فرعية أو عرض العناصر التي سنتناولها في سياق عرض الموضوع.

العرض

الفـهـم

تقديم مكونات المعنى المباشر، واكتشاف معاني النص، كخطوة أساسية لفهم محتواه، وإبراز مضامينه العامة، وجرد أفكاره الأساسية، أو وحداته الدلالية، وترتيبها عن طريق صيغة تحويلية يحددها السؤال، كالشرح والتوسيع…، وتحديد طبيعة موضوعه.

التحليـل

المستوى المعجمي

1) تصنيف الألفاظ في حقول معجمية تتحاقل حول موضوع أو مفهوم واحد. ( والحقل المعجمي لمعنى معين هو مجموع الألفاظ التي يعبر بها عن موضوع معين)، والتي نعتمد في جردها قاعدة المقاربة الموضوعاتية، ك– [ العائلة اللغوية ]: ( الاشتقاق (يا صاح – استصحب )، والترادف ( الألفاظ الدالة على معانٍ مشتركة، مثل تجيش بالدمع مآقينا)، والقرابة المعنوية (أيك – ظل) – مع أخذ دلالة المفردة بحسب السياق (“رأيت قمرا”، فكلمة “قمرا” تدخل ضمن حقل المرأة إذا كانت في السياق).

2) قراءة ألفاظ كل حقل على حدة قراءة عمودية، لاستنباط نواته الدلالية، واختزال مدلوله في كلمة أو عبارة موجزة تلخص فحواه، وتساهم في الكشف عن معنى جديد. وهذا الإجراء هو استخلاص للموضوعات التي يتمحور حولها النص.

3) البحث في مختلف الدلالات التي يمكن الوقوف عندها من خلال الحقول الدلالية، (الحقل الدلالي للألفاظ هو مجموع دلالات لفظ / ألفاظ معينة..)، أي البحث في التقابلات الأساسية والعلاقات بين هذه الحقول الدلالية، وما الذي يجمع وشائجها في علاقة بنائية دالة. فلكل حقل معجمي نسقٌ، يتشكل من متشابهات وأضداد تقيم علاقات تتحاقل فيما بينها، ويستقطبها حقل دلالي.

4) ربط المعجم بنوعية الخطاب الذي ينتمي إليه النص، وذلك من خلال :

  • دراسة اللفظ من الناحية الصوتية (جرس الألفاظ) والإيقاعية والصرفية، وإبراز مدى دلالته على مضمون النص، والخطاب الذي ينتمي إليه. فالألفاظ في القصيدة الإحيائية، مثلا، تميل إلى فصاحة اللفظ، ورصانة التركيب، وفخامة العبارة، وبداوة المعجم، وجزالة الأسلوب، ومتانة السبك.. أما في القصيدة المعاصرة فبعض الألفاظ رموز لحالات نفسية وعاطفية، ومن الطبيعي ألا تُعبر هذه الرموز عن مسمياتها، وأن يختلف فهمها عند كل قارئ حسب تكوينه الثقافي والنفسي.. وقد يختار الشاعر لغة الحديث اليومي، أو اللغة الشعرية النفعية المباشرة، أو اللغة الانزياحية الموحية التي تنتهك معايير الوضوح والعقل والمنطق، أو اللغة الدرامية المتوترة النابعة من الصوت الداخلي المنبثق من أعماق الذات، والمتجه إليها.
  • الاهتمام باللغة الشعرية يتمثل في حسن انتقاء الألفاظ الدالة على المعاني الدقيقة التي تنقل الأحوال الوجدانية، وكذا في توليد الدلالة بكل ما يتوفر عليه اللفظ من قيم صوتية موسيقية وإيحائية تمكن من نقل إيقاع النفس.. فالمعجم يقوم على الاختيار الواعي للفظة الحاملة لشحنة التعبير والتأثير …

5) البحث في دلالة الأفعال وأزمنتها، والأسماء، والمشتقات: فإذا كان الفعل هو ما دل على حركة في الزمن تقوم بها ذات، فإن المشتقات منها ما يحتوي على تلك العناصر الثلاثة. إن الفعل (وتلحق به المشتقات) يحتوي عناصر الحركة والذات والزمن، مما يميزه عن الاسم الجامد الذي لا يحتوي إلا على الوصف الكامن اللصيق بالمسمى ذاته، ويخلو من الحركة أو الزمن، وتلك خصائص تعطي للفعل (وللمشتقات من الأسماء) وظائف مختلفة عن وظائف الأسماء الجوامد، فبينما تدل الجوامد على الثبات، تشير الأفعال والمشتقات إلى الحركة والتحول.

هكذا، وبمثل هذه الإجراأت التحليلية للمعجم، لا يبقى متن النص مفككا، إذ نعمل على إعادة بنائه وفق دلالات جديدة، بإمكانها أن تُحقق متعة متجددة للقراءة.

المستوى الدلالي

ونقف هنا عند دلالات النص، ونستخلص مظاهر انزياحاته، ونصل إلى تحليل الظواهر النصية الأكثر تجريدا مثل : (القيم الرمزية والصور الشعرية والبنيات العامة..)

1) دراسة الصور:

  • رصدها واستخراج نماذج منها ؛ تحليلها من خلال : مصدر الصورة ( طبيعة، وجدان، خيال… ) ؛ مادتها ( أساليب بلاغية قديمة كالتشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، رموز، أساطير … ) ؛ طبيعتها ( جزئية ، كلية ، نامية ، درامية متحركة تنبني على الصراع ، أم تزيينية ، أم مرتـع للخيال ؟ ) ؛ وظيفتها (خاصة في كشف رؤيـة الشاعـر ونقل تجربته، وفي نقل المعنى، وكذا في تكثيف النسق الداخلي للقصيدة خاصة في شعر سؤال الذات وتكسير البنية وتجديد الرؤية…) ؛ مقارنتها بالصورة في باقي الخطابات ؛ تقييمها في ضوء المفهوم القديم أو الجديد للشعر، وفي ضوء إحساسنا بـها، أو ضمن الخطاب الذي تندرج في إطاره القصيدة.
  • تـحليل الإيـحاأت ، والرموز… وكل ماله دلالة فنية، ويعطي للنص وحدته المركبة، ومعرفة الطريقة التي يتفاعل بها الشكل والمضمون.

2) دراسة الإيقاع:

  • تحديد مظاهر الإيقاع الخارجي بتقطيع البيت أو السطر الشعري، وتسمية البحر ( الوزن، التفعيلة، القافية وحروفها، السطر، المقطع، الجملة الشعرية..). ودراسة القافية وحروفها، وربط الخصائص الإيقاعية بالسمات العامة للخطاب الذي يندرج ضمنه النص ؛ أي تحليل مكونات وخصوصيات البنية الإيقاعية، وبيان مدى مساهمة الظواهر الصوتية في تشكيل الإيقاع داخل النص.
  • دراسة بعض مظاهر الإيقاع الداخلي اعتمادا على كل ما له علاقة بالدال من الناحية الصوتية والإيقاعية ( مخارج وصفات الأصوات، المقاطع الصوتية ، النبر ، التنغيم..)، التوازي والتكرار …

3) البناء العام :

  • البناء الهندسي، الذي يتحدد بالغرض/ الأغراض، أو موضوع/ موضوعات النص.
المستوى الأسلوبي / التداولي
  • تحديد أطراف الخطاب وعلاقة المقام بالمقال..
  • دراسة الأساليب ( الخبر والإنشاء )، الضمائر، مقصديات المرسل وعلاقته بالـمتلقي وبالمخاطب المفترض، رصد أغراض الكلام، ومقاصد المتكلمين، وقواعد الخطاب ووظيفته، وآثار النص على النوايا التواصلية وأفعال الكلام في التواصل.
  • محاولة تركيب بعض المشيرات الداخلية والخارجية لإبراز علاقة النص بمبدعه.
  • تجاوز البنية الداخلية للنص والانفتاح على امتداداته الثقافية والاجتماعية.

الخاتمة

التركيـب

  • تجميع وتركيب نتائج التحليل في شكل خلاصات.
  • الكشف عن مقصدية الشاعر/ رهانه (التعبير بواسطة الأغراض القديمة، المدح، الرثاء، الغربة، التغني بالوطن، أو بالذات، المدح، الرثاء، الغربة، السخرية، التعبير عن التجربة الإنسانية …)
  • التأكد من صحة الفرضية ؛
  • تجاوز البنية الداخلية للنص والانفتاح على امتداداته الثقافية والاجتماعية.
  • عرض الإجابات عن الأسئلة المطروحة أو الإشكالية.

التـقـويـم

  • نستثمر نتائج التحليل ونوظفها في تأويل النص، وكشف بنياته العميقة لنصل إلى خلاصات تعبر عن موقفنا مما يتضمنه النص من سمات الخطاب وخصائص وموافق وتصورات وتجارب يتميز بها النموذج / الخطاب المدروس، وتعبر عن وعينا بالقيم الفنية والجمالية للنص، وتـمثل وظائف الخطاب في التعبير والتواصل.
  • نبين مدى تجسيد النص لسمات الخطاب الذي ينتمي إليه، أو علاقته بنصوص أخرى من نفس الخطاب.
  • نبين موقعه من النصوص التي عاصرته، أو تفاعله مع محيطه، اعتمادا على أساليب التفسير والبرهنة.
  • تقويم هذا الخطاب نفسه من خلال خصائصه ومميزاته وسماته.
  • تقويـم تماسك النص الداخلي، وتقديم خلاصة للعلاقة بين معناه ومبناه (أي الإشارة إلى النظام العام الذي ينسق أجزاءه، ورصد كيفية انتظامها، وإدراك مظاهر التفاعل فيما بينها (الاختلاف والائتلاف)، أي أننا نستخلص البنية التي نظمت عناصر النص وأجزاءه.
  • نبرز مدى مساهمة الخطاب في تطوير القصيدة العربية.
  • قوم الاتجاه أو المفهوم أو الموقف أو وجهة النظر أو التصور المعبر عنه في النص.
  • نقوم الكاتب بإبراز دوره في النوع الأدبي والخطاب الذي ينتمي إليه النص، ومميزات نصه المضمونية والأسلوبية، مع الاستعانة بأقوال النقاد في ذلك..
  • ربط النص (أو القضية المعالجة ) بسياقه الخاص والعام،(أو بإشكالية أعم في صيغة سؤال /أسئلة)؛ أي ضمن ما يحيط به وبصاحبه، أو يتعالق معه، والخروج بأحكام عامة تتميز بالمرونة وسعة النظر بناء على أساليب الحجاج والبرهنة والاستدلال.
  • إبداء الرأي الشخصي في قيم النص واتجاهه الفني، وكذا حول النتائج والخلاصات المتوصل إليها، وإصدار أحكام مبررة حول مضمون النص أو شكله، وذلك بتوظيف مهارة الحكم والتقويم والتعليق.

مهارة كتابة إنشاء أدبي حول نص شعري – دروس التعبير والإنشاء – اللغة العربية – اداب وعلوم انسانية

عنوان الدرس : مهارة كتابة إنشاء أدبي حول نص شعري

المادة : دروس التعبير والإنشاء – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

جرد المعطيات

عتبات النــص

طرح الإشكالية وبناء الفرضية:

  • وضع النص في سياقه التاريخي والأدبي أو الفني ، قصـد تحديد الاتجاه الأدبي الذي ينتمي إليه ، وهو ـ هنا ـ إحياء النموذج.، و حافظ إبراهيم أحد رواده، لُقب بشاعر النيل لارتباطه بقضايا الشعب و رصده لأحواله المختلفة ..
  • من خلال الإشارة إلى مناسبة النص وبدايته نفترض أن يكون موضوعه هو الرثاء. ويتبيَّن من خلال الملاحظة البصرية لهندسة القصيدة أنها عمودية ذات نمط تقليدي إذ تعتمد نظام الشطرين المتوازيين والوحدة في الروي والقافية..

فمـا مظاهر تمثيل النص لحركة إحياء النموذج ؟ – أو – ما حدود النموذج الشعري وخصائصه المختلفة التي يتمثلها نص حافظ إبراهيم ؟ وما الجوانب والأبعاد الدلالية والفنية التي يعكسهـا ؟

تفكيك النص

الخطوة الأساس

في هذه المرحلة، هي: اكتشاف معاني النص أو تحديد محتوياته، ويتطلّب ذلك رصد موضوعه العام أو المحوري، و جرْد أفكاره الأساسية..( في النص المدروس: تأثر الشاعر بفاجعة موت البارودي، والإشادة بخصاله الحميدة ، فالنص إذن يندرج ضمن غرض الرثاء..)

الخطوة الثانية

تصنيف معجم النص إلى الحقول الدلالية المناسبة ( هنا : حقل الحزن على الفقيد: إني عييت، مجهودي، غضبى،لا تطاوعني، سكوتي، همّ، تسهيد، الخطب، أفحمني ،معقود،مكبود، مفؤود/ وحقل مناقب الفقيد : مؤنس الموتى،فارس الشعر والهيجاء والجود، لياليك البيض،لم تحفل بموجود، السلاسة في منطقه، خير من هز اليراع،هز الحسام،لبى،نودي..) مع تبيُّن الحقل المهيمن وتعليل الأسباب.

لغة تراثية، تصويرية فيها مبالغة في شحن الجو الحزين وتعظيم الفقيد مما يتناسب ونموذج الرثاء الكلاسيكي.

الخطوة الثالثة

الكشف عن خصائص البنية الإيقاعية في النص(وزن،روي قافية، تواز ، تكرار، تقديم تأخير… ) . في النص إيقاع خليلي محافظ على وحدة الوزن والقافية والتناظر الشطري واستقلال البيت وتصريع المطلع، تضخيم الموسيقى الحزينة عبر آليات النكرار والتوازي

الخطوة الرابعة

الصـور الشعريـة: طبيعتها، وظيفتها … استثمار للآليات التصويرية البيانية بخصائصها المعيارية خاصة التشبيه والاستعارة

الخطوة الخامسة

الأسلـوب خصائصه هيمنة الجمل الخبرية والجمل الفعلية رغم التصدير بالإنشاء ( الأمر المفيد للتحسر والاستفهام الإنكاري) وإيراد النداء على مساحات نصية متوازنة، وتنويع الضمائر بين المخاطب والغائب. كل ذلك ينسجم مع طبيعة الرثاء القائم على تهويل الفاجعة وتصوير فداحة الغياب.

الاستنتاج والتقويم

تجميع نتائج التحليل – الكشف عن مقصدية النص واتجاه القصيدة الفني (غرض الرثاء جاء مصطبغا بصبغة تقليدية، احتوته قصيدة ذات مقومات شكلية قديمة، دأبت على اعتمادها حركة إحياء النموذج الشعري العربي القديم، وعبرت عنه مضامين اقتفت آثاره القديمة باعتباره تلهفا من جهة، وتأبينا للميت من جهة أخرى، ومقصدية الشاعر تجسد وفاءه لمذهبه الشعري إحياء النموذج خاصة والأمر يتعلق بتخليد غياب فحل من فحوله.

تنظيم المعطيات

يتبيّن أن كتابة إنشاء أدبي حول نص شعري تستدعي الخطوات الآتية :

  • الوقوف عند عتبات النص: وضع الإشكالية ـ طرح الفرضية من خلال مشيرات معيَّنة : العنوان، أبيات محددة ، صاحب النص ، المرجع ، الملاحظة البصرية لهندسة القصيدة …
  • تحديد مضمون النص بالكشف عن معانيه و جرد أفكاره الأساسية
  • تحديد نوعيته: أهو موضوع واحد ، متعدد، قديم ، جديد، ذاتي ، غيري، اجتماعي ، قومي ، وطني ، ديني ، سياسي ، إنساني ..
  • تحديد حقوله الدلالية وتبيان التيمة/ التيمات المهيمنة مع التعليل ..
  • طبيعة البنية الإيقاعية الخارجية ( الوزن ، القافية ، الروي .. ) والداخلية ( توازٍ ، تكرار..)
  • تحليل الصور الشعرية و تبيان طبيعتها قائمة على المشابهة ( تشابيه،مجازات، استعارات) أو على المجاورة ( كنايات ..) مع التفسير و بيان الوظيفة في السياق الواردة فيه
  • خصائص الأسلوب : مباشر، تقريري، إخباري، إنشائي، تصويري، انزياحات، رموز.. / طبيعة الجمل والتراكيب : طويلة، قصيرة، فعلية ، اسمية،/ الضمائر: وحدتها ، تعددها… مع التعليل والاستشهاد ..
  • تجميع نتائج التحليل السابق في عبارات موجزة ، مع حكم نقدي حول النص ، أو صاحبه ، أو التيار الذي ينتمي إليه.

تجديد الرؤيا نموذج شعري – تحليل قصيدة ‘البئر المهجورة’ ليوسف الخال دروس النصوص

عنوان الدرس : تجديد الرؤيا (نموذج شعري) – تحليل قصيدة ‘البئر المهجورة’ ليوسف الخال

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية النص وفرضيات القراءة

إن التحول الذي عرفه الشعر لم يقف عند التمرد على الثوابت العروضية كما كان ديدن أصحاب تكسير البنية. بل تجاوز ذلك إلى إرساء أفق رؤيوي جديد يضمن ديمومة المشروع الحداثي الشعري، أفق يقوم على مفهوم الرؤيا باعتباره كشفا متجددا لعالم في حاجة دائما إلى كشف وثورة، ومن ثم ينعدم النموذج الشعري. ولا سبيل إلى الرؤيا بغير التخطي والتجاوز والانفتاح على التجارب العالمية وإعادة قراءة التراث الإنساني بمنظور جديد. وإذا كانت القراءة النصية الأفقية غالبا ما تتخذ مطية لإثبات تصور مسبق أو معيار ثابت، فإن قراءتنا للبئر المهجورة ليوسف الخال لن تتجه نحو نفس المقصد، بل ترصد التضاريس الفنية المميزة لهذا الممتد الشعري على مستويات عدة اعتبارا لكون النص لحمة متماسكة من علاقات تفاعلية بين عناصر سطحية وعميقة.

تفضي الملاحظة الأولية لشكل النص إلى إدراجه ضمن الخطابات الشعرية المتمردة على الثوابت (تجديد الرؤيا). فما حدود هذا التمرد ؟ وما تجلياته ؟ الجواب رهين بمقاربة القصيدة في جميع مستوياتها. وأول ما يثيرنا عنوانها، وهي إثارة تؤول إلى مفارقة كامنة داخله يفرزها التداعي. فالبئر في الموروث الثقافي ترمز إلى الحياة لوجود الماء، وإلى الإخفاء لعمقها الملتبس بالإيجاب أو السلب، إلا أن وصفها بالمهجورة يجعلها مناسبة للإخفاء والستر. ألم يتخذ أبناء يعقوب البئر مكانا لإخفاء النبي يوسف عليه السلام فكانت محنته الأولى. وعلى أساس هذه المحنة يمكن افتراض مأساوية التجربة التي قد يعبر عنها يوسف الخال. فما دواعي هذه المأساوية بناء على هذا الافتراض ؟

فهم النص

يمكن تقسيم هذه القصيدة الى 4 مقاطع بحسب الاصوات المستعملة فيها:

  • مقطع على لسان الراوي (أوّل 5 اسطر)، يشرح فيه علاقته بالشخصية التي تدور حولها القصيدة وهي شخصية ابراهيم. ويلاحظ هنا التنافر والاصطدام بين ابراهيم الذي يصوره الشاعر بئراً يفيض ماؤها دلالة على العطاء والخير، وبين سائر البشر الذين لا يعيرونها ادنى اهتمام ايجابياً كان او سلبياً.
  • مقطع على لسان ابراهيم يتخلله تعليق قصير للراوي يبدأ بقول ابراهيم : “لو كان لي ان انشر الجبيين …” ويمتد الى قوله :”… ليبصر الطريقة” (22 سطراً)، وفيه ينقل الراوي الينا حديثاً مباشراً لابراهيم في رسالة كتبها ابراهيم بدمه الطليل كما يقول الراوي. وتبرز هنا رؤيا ابراهيم واحلامه في تغيير الواقع والوجود من خلال تساؤلات تشمل الطبيعة، وعلاقة الانسان بالطبيعة وحياة الانسان كمركز للوجود. وتكشف هذه التساؤلات ان احلام ابراهيم كبيرة ويتطلب تحقيقها تفجيير امكانات خارقة للمألوف.
  • مقطع على لسان الراوي يتخلله حديث مباشر بصوت مجهول يبدأ بقول الراوي : ” وحين صوب العدو مدفع الردى” ويمتد الى قوله “… لعله جنون ” (16 سطراً)، وفي هذا المقطع يتحدث الراوي عن (ابراهيم) ومن معه من الجنود الذين يواجهون سيلا من رصاص العدو فيصيح بهم صوت مجهول ان يتقهقروا الى الوراء. فيتقهقر الجميع الا ابراهيم الذي ظل سائراً الى الامام متحدياً الرصاص، واذ سقط ابراهيم يقول الآخرون كما يورد الراوي: انه الجنون، ويعلق :لعله الجنون. نلاحظ في هذا المقطع تكرار: “تقهقروا” مرتين في موضعين: الأول:صوت مجهول،والثاني: صدى الصوت الأول. كذلك نلاحظ تكرار ( لكن ابراهيم ظل ساهراً) في موضعين، وذلك تأكيداً على ان ابراهيم لم يعر التحذير اهتماماً ولم يبالِ بالموت.
  • مقطع على لسان الراوي ويبدأ بقوله: “لكنني عرفت جاري العزيز…” ويمتد الى نهاية القصيدة: “… ترمي بها حجر” (6 اسطر)، وهو يشكل اعادة لكلمات المقطع الأول مما يعطي القصيدة شكلاً دائرياً لا مغلقاً، وهو شكل مستحب عند الكثيرين من انصار الشعر الحديث ومتبع لديهم.

تعلن القصيدة في مدخلها عن العلاقة الحميمية بين الذات وإبراهيم باعتباره شخصية محورية تنجز الفعل وتحققه دون تراجع. إبراهيم إنسان عادي، يحمل اسمه ايحاء دينيا وتاريخيا مستمدا من النبي إبراهيم الذي صدق الرؤيا وعزم على تنفيذها، ومستمدا من المسيح المخلص بحسب عقيدة المسيحيين. إن ما يميز إبراهيم داخل عالم القصيدة هو علاقاته بالآخرين، فهو مصدر الحياة والعطاء في صحراء تنعدم فيها شروط الحياة، لكن الآخرين لا يهتمون به نفس اهتمامه بهم، فالعلاقة غير متعادلة. إذ رغم كونه يمنحهم الحياة باعتباره البئر التي يفيض ماؤها يكن له الآخرون اللامبالاة وينعتونه بالجنون.

في الوحدة الثانية تنمو القصيدة وتتطور عبر التركيز على إبراهيم مرة أخرى، وفعل التضحية الفردي يؤشر عليه بتكرار الفعل المشروط: لو كان لي….. الذي يقدم عليه لبعث الجماعة الميتة. إبراهيم هنا هو المسيح الذي يفدي العالم بموته ما دام يشعر بمسؤوليته تجاه الآخرين. إن إبراهيم هنا ليس من أجل استمرار الحياة فحسب بل لتغييرها إلى الأفضل. ومن مظاهر هذا التغيير تحول الطبيعة التي لن تعرف غير الربيع وتحول العقبان عن طبيعتها الافتراسية فيعم السلام والأمن وتسترجع المعامل والشوارع والحقول طبيعتها الحية التي فقدها الإنسان المعاصر، كما يسترجع الإنسان كرامته ويعود الضال التائه إلى أرض معاده. ولعل هذه المبادئ الحياةألسلمألكرامةءمحو الخطيئة هي المبادئ التي ضحى من أجلها المسيح قديما ويضحي من أجلها إبراهيم راهنا فإبراهيم هو مخلص الإنسان حديثا. إن هذه المتمنيات التي صيغت عبر استفهامات ستتحول إلى واقع في الوحدة الثالثة حين واجه إبراهيم الرصاص والموت ورماه الآخرون بالجنون.

تحليل النص

المعجم

تأسيسا على القراءة الأفقية السابقة يجوز توزيع مؤشرات المعجم الشعري إلى حقلين دلالين:

معجم الحياةمعجم الموت
يفيض ماؤها – تبرعم الغصون في الخريف – يحول الغدير سيره – ينعقد الثمرء يطلع النبات في الحجر – أن أعيش من جديد – لا تمزق العقبان قوافل الضحايا – يأكل الفقير خبز يومه بعرق الجبين – يعود يولسيس – يبصر الطريق…أنشر الجبين على سارية الضياء من جديد – دمه – أن أموت من جديد – دمعة الذليل – العدو – مدافع الردى – الرصاص – لم يسمع الصدى – ظل سائرا…

وانطلاقا من هذا التصنيف للحقلين الدلالين تبدو الخلفية الكامنة وراء تشكيل الرؤيا دينية متمثلة في إبراهيم والمسيح، وربما موسى باستحضار علاقته بابنتي شعيب لحظة السقيا من البئر، والفلسفة الوجودية باعتبارها مرجعية مجلة شعر. إن الرموز هنا تمثل الغربة والافتداء والموت الفردي من أجل الجماعة. وهي تمثل كذلك قيما ومواقف ورؤى تصب كلها في رفض الزمان والمكان والثقافة والمجتمع وتتطلع إلى بديل آخر، إنها تحمل تناقضا وجوديا بين ذاتها العازمة على اختيار تجربتها المتميزة وبين المجتمع الذي يحاول أن يخضع هذه الذات القلقة لقيمه. إن ما يميز المواد المعجمية هو قربها من الحياة اليومية رغبة من الشاعر في الزج بالقصيدة في ما يمكن أن نسميه ‘المتداول المعجمي المألوڤ. وهذا متناسب مع دعوة الخال الشهيرة إلى استخدام اللغة المحكية في المتن الشعري باعتبارها لغة الحياة والناس، فيما الفصحى في نظره لغة متعالية، ميتة تتمدد، باسترخاء الجثة، في قبرها التاريخي حسب تعبيره.

الصور الشعرية

على مستوى الصور الشعرية يبدو أن يوسف الخال وجد في الصورة متنفساً للهروب من سلطة اللغة عبر الانزياحات الدلالية والرمز والأسطورة التي مثلت من جهة قدرة الشاعر على اختراق اللغة وتفجيرها وشحنها بتداعيات جديدة خارج المحمول الإشاري الجاهز. ومن جهة ثانية كشفت عن الرؤيا الشعرية الجامعة بين خاصيتين، خاصية الاقتراب من المألوف المعجمي، وخاصية الكثافة الدلالية المتولدة عن الانزياح والرمز والأسطورة. وتأسيسا على هذا أصبحت الوظائف الممكنة للصورة الشعرية تغريبية وبنيوية:” يحول الغدير سيره كأن تبرعم الغصون في الخريف”. فإذا كانت الوظيفة البنيوية للصورة الشعرية تتمثل في المشاركة الفعلية للمتلقي في بناء القصيدة بناء عضوياً اعتمادا على تأويل الرموز والأساطير فإن التغريب يؤول إلى المفارقات ا لبعيدة بين مكونات الصورة التي يمنحها التأويل انسجامها. ولننظر مثلا إلى جمع الشاعر بين المتنافر في قوله “أتضحك المعامل الدخان؟”. إذ الدلالات السياقية للدخان السوداوية والمعاناة، والمحمول الفعلي “تضحك” يدل وفق المألوف على الانتشاء، غير أن الانسجام يتحقق بحمل الضحك على السخرية….

ورغم كثرة الصور وتراكمها في القصيدة فإننا يمكن أن نكثفها في دلالتي النبوة والتضحية، حيث تحضر الذات الشاعرة كنبي وضحية في نفس الآن: تستشرف المستقبل وتبشر به، ويقف المجتمع ضدها ويضطهدها كما اضطهد الأنبياء. ولما فشلت الذات/ الرمز في تحقيق مشروعها انعزلت وانطوت على ذاتها بتخطي الواقع والمجتمع مستبدلة إياه بالرؤيا الميتافيزيقية، ومن سمات هذه الرؤيا الرفض والغربة والنفي والوحدة والحرمان والاضطهاد، وما هذه السمات إلا مظهر من مظاهر الخلفية الفلسفية الوجودية، ناهيك عن قرار اختيار الذات نفسها مرجعا للتمثلات والقناعات، فإبراهيم لم يستجب لنداء الجماعة، ولم يفضل ما فضله رفاقه من العودة إلى الوراء؛ لأن مصدر معرفته اليقينية ذاته، ووجب عليه أن يعيش هذه المعرفة كتجربة حياتية فيختار طريق الجنون من منظور الآخرين، طريق الحياة من منظوره هو، فوقع فريسة الاغتراب الناتج عن انعدام التواصل وعن الانفصال والتعارض الذي لم يقتصر على الذات والآخر، بل تجاوز ذلك إلى التعارض بين حضارة الصحراء المرفوضة وحضارة الماء المأمولة. وهذا الكشف الشعري ليس كله تخييلا، بل ينبني على مرجعية إيديولوجية تكمن في المشروع القومي الحداثي، فالماء والصحراء رمزان لحضارتين متعارضتين حضارة العرب وحضارة الغرب المتوسطية.

الأسلوب

إن الشرخ الهائل بين الذات والعناصر المؤثثة للفضاء الشعري من جماد وإنسان ترسم قسماته قصيدة البئر المهجورة مستعيرة الرمز والأسطورة: إبراهيم – المسيح – أوليسء أوديب – الخروف. ووجود البئر في الصحراء كبشير خير وبركة يقوي التداخل العميق بين النص المقدس (المتن الديني) وبين القصيدة تداخلا تذوب داخله تفاصيل أحداث المحكي الأصلي (التقابل بين إبراهيم النبي/خليل الله وإبراهيم المضحي/خليل الشاعر. المسيح المصلوب وإبراهيم المصلوب على سارية الضياء رغبة في تحقيق العدل وتحقيق التطهير). وتتحكم في بنية التصوير وجدلية العلاقات حركتان: تتجسد الأولى في صورة إبراهيم قبل التضحية والثانية بعد التضحية وما نتج عنهما من تحولات في الرؤى والمواقف من لامبالاة إلى اندهاش. فالحركة الأولى تأسست على أساليب الرجاء (إمكان التحقق) والتمني (استحالة التحقق). لقد تواترت العبارة “لوكان لي” خمس مرات تارة تتعلق بالتضحية وتارة بالافتداء مؤسسة رغبة في الفعل(الإرادة) ومخمنة ما يترتب عن الفعل المأمول من تحول يمس الطبيعة الناطقة والصامتة ويمس الحضارة والإنسان. لقد تحول المعجز من إطار الغيب إلى الإطار الإنساني من تضحية إبراهيم بابنه استجابة لأمر الله إلى تضحية إبراهيم بنفسه لمحو الظلم ونشر العدل والمحبة والسعادة. وفي إطار المتن الديني دائما تماهت الشخصية المركزية من جديد مع المسيح تعبيرا عن الخلاص ومحو الخطايا.

واقترن المسيح في هذا التشكيل باستحضار أوليس البطل الميثولوجي الذي يعاني عذاباً شديداً على المستوى النفسي والجسدي والذهني ويجتاز المهالك منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصراً إلى المكان الذي انطلق منه. أما الحركة الثانية فانتقال من القول إلى الفعل وتأكيد حضور الذات لحظة المواجهة والتصدي والاستشهاد ونكوص الآخرين، ومع ذلك لم يكن محل تقدير من قومه. وانطلاقا من هنا يبدو البناء العضوي للقصيدة الذي ساهمت متماسكا بفعل الكثير من العناصر، من بينها الأساليب الموظفة والضمائر والإيقاع الخارجي والداخلي.

على مستوى التركيب النحوي والتداولي نوع النص بين الخبري الابتدائي والإنشاء عبر صيغ غاب فيها المحتوى القضوي المباشر وحضرت فيه القوة الإنجازية الاستلزامية المرتبطة بالرؤيا الكامنة خلف المواد المعجمية والتشكيل التركيبي وطوابعهما الإشارية الموحية والغامضة التي تصب في التطلعات المتعلقة بتثبيت القيم الإنسانية النبيلة وثراء الحياة وخصبها، كالاستفهام في قول الشاعر: ” ترى ، يحول الغدير سيره…ويطلع النبات في الحجر؟” أتبسط السماء وجهها فلا تمزق العقبان في الفلاة قوافل الضحايا؟… ” والتمني “لو كان لي أن أموت أن أعيش من جديد” فقد حافظ الشاعر فيهما على معنى الاستحالة وإن كان يرتبط بالرغبة والإرادة في الفعل، والأمر «تقهقروا، تقهقروا”. الصادر عن آمر مجهول وكأنه الصوت الخفي الذي يسيطر على الآخرين ويشكل لديهم الثابت الذي لا يمكن التمرد عليه باستثناء إبراهيم. ورافق هذا التنويع في الأسلوب تنويع في الجمل الفعلية بين الحاضر والمستقبل وبين الماضي. وإذا كان الماضي يحدد زمن علاقة السارد بإبراهيم الضاربة في القدم، والمصير الذي آل إليه، فإن المضارع يعلن عن التحول المأمول ويمثل الحلم ويبشر بالغد الأفضل. وبما أن ضمير المتكلم يحيل على إبراهيم وضمير الغائب يحيل على السارد ويتبادل الفاعلان المواقع فيصير المتكلم ساردا والغائب الحاضر إبراهيم فإن الخطاب الشعري استنادا إلى الضميرين المتعاضدين يحمل الوظيفة التعبيرية الانفعالية والوظيفة المرجعية، إلا أنهما ليستا مهيمنتين بل مجرد جسر للوظيفة الجمالية الطاغية التي تحققها الصور الشعرية والتموجات الإيقاعية

الإيقاع

على مستوى الإيقاع استنجد الشاعر بتفعيلات الرجز كإطار موسيقي إلا أنه انزاح فيه كثيرا عن الصور الأصلية ليشاكل التدفق النغمي المناسب لتشكل الرؤيا في النص. وللتوضيح نورد الأسطر الشعرية الأولى مفاعلن مستفعلن مفاعلن مفاعلاتن مفاعلن مستفعلن مفاعلن مفاعلن فعل مفاعلن مفاعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعل.لقد اكتسبت القصيدة بنيتها الإيقاعية من تكرار صور (مستفعلن) في غير التزام بضوابط العروض و تكرار المقاطع وتكرر اللفظ (عرفت) والجملة ( لوكان لي أن ) وأصوات مثل الراء في الأسطر الشعرية الأولى فهي تحضر تقريبا في كل الكلمات الأولى ، واستثمار التوازي(الاستفهام + الفعل + الفاعل…) وعلامات الترقيم والبياض بما يخدم الموسيقى والتركيب والدلالة والقراءة والدفقات الشعورية في علاقتها بالوقفات الثلاثة وقد أحصينا نسبة تشغيل الفاصلة في النص فبلغت اربعا وعشرين مرة بينما النقطة لم تتجاوز عشر مرات. إن الفاصلة داخل النص تؤشر على أن البنية النظمية (التركيب النحوي) لم تكتمل بعد أو اكتملت غير أنها تشترك مع ما يعقبها في الحكم دلالة وتركيبا مما يؤمن الانسياب والاسترسال بين الأسطر الشعرية، كما تؤشر على التعارض بين مقتضيات العروض ومقتضيات التركيب والدلالة ، وتلك صفه من صفات اللغة الشعرية، إذ غالبا ما تتزامن الوقفة الوزنية مع البياض الدلالي أو الوقفة النظمية النسبية التي تؤشر عليها الفاصلة. وفي هذا المقام يحضر التقابل بين الوصل والفصل. أما النقطة والبياض فيحققان وظائف متنوعة بدء بالتأشير على تمام المعنى وإفادته إلى التأشير على نهاية المقاطع. وقد تضافرت علامتا الاستفهام والتعجب مع النقطة لأداء هذه الوظائف المتعددة. ومن المفيد أيضا، أن نشير الى أن النقطة غالبا ما تسم الأسطر الشعرية بالاتساق ويقصد به هنا اتحاد الوقفات.

إضافة إلى هذه المكونات هناك تداخل الخطابات في النص ولعل الخطاب القصصي حاضر في القصيدة بشكل بارز. ويتجسد في البناء الدرامي باعتباره جسما متكاملا في حد ذاته ،ويتشكل من عناصر متناسقة كل منها يقوم بدوره في مرحلة معينة(البداية /العقدة/النهاية) الأمر الذي يتيح النمو والحركة باتجاه المصير والمآل. والسارد والبطل المأساوي والحوار الداخلي والحوار الخارجي والسرد والوصف علامات دالة في النص.

تركيب وتقويم

نخلص من كل هذا إلى أن هذه القصيدة اغتنت بعوالم تخييلية بفعل محاورة النصوص الدينية والأسطورة والتراث الأدبي مما مكن من تفجير الأسئلة الوجودية. وأصبح المنسي يأخذ حضوره وراهينته من تداعيات المعنى المسكوب في إيحاء الإيقاع وشغب الصور واندلاق الدلالة مما عقد عملية ملاحقة تفاصيل الرؤيا في النص والتي يبدو أنها غير محدودة. وقد جسد الشاعر من خلال هذه القصيدة تصوره الحداثي للشعر المتجه نحو فلسفة الهدم والتمرد والانقلاب على الجاهز والثابث والمألوف وإعادة تركيب معطى جديد من المواد المهدومة والمهضومة بما يضمن الإبداع والتميز والقوة دون قطيعة مع الموروث الإنساني

Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads