Ads Ads Ads Ads

المنهج الاجتماعي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج الاجتماعي’ لنبيل راغب – دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المنهج الاجتماعي (نص نظري) – تحليل نص ‘المنهج الاجتماعي’ لنبيل راغب

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية النص وفرضيات القراءة

 عرف النقد العربي تحولات في تصوراته وأسسه على مستوى التنظير أو التطبيق كالخطابات الأخرى بفعل مجموعة من العوامل أبرزها الانفتاح على الثقافة الغربية، وانتشار التعليم والصحافة، والثورة النقدية في مجال الأدب أخرجت النقد من المعيارية والتجزيئية والانطباعية إلى نقد مؤسس على مبادئ علمية، فأصبحت قراءة الأدب تستمد مفاهيمها وأدواتها الإجرائية من علوم إنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم اللغة ونظريات الأدب، وتفسر الظاهرة الأدبية اعتمادا على مرجع خارجي يشرط إنتاج المعنى أو يولده، أو على اشتغال البنيات التي تفجرها لغة النص.

لقد تنوعت المناهج النقدية الحديثة بحسب تنوع مكونات النص الأدبي ومقوماته؛ فلأنه كيان لغوي، كان موضع بحث من اللسانيات التي وفرت للناقد أدوات دقيقة تسبر أغوار البنية الناظمة للنص، وبما أنه يصدر عن مرسل له تركيب نفسي، يتحكم فيه منطق الرغبات المكبوتة، ولغة الوعي واللاوعي، فقد وجدت السيكولوجيا طريقها إليه، وكونه يعكس حال المجتمع وعاداته وتقاليده والبنيات العقلية التي تشكل بنية وعي جمعي ينتمي إليه الكاتب، ويجسد ه في عالم تخيلي يستبدل به شكل الواقع فقد مثل علم الاجتماع إطارا مرجعيا نظريا لقراءته. هكذا قام المنهج الاجتماعي على تفسير النص الأدبي بربطه بمحيطه وشروط إنتاجه. وهو أحد أهم المناهج النقدية الغربية الواسعة الانتشار بين النقاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، رصدوا تطوره، واستخلصوا قواعده، وصنفوا مدارسه. ومن هؤلاء حسين الواد، وشكري عياد، ونبيل راغب الناقد المصري صاحب “موسوعة النظريات الأدبية ” الذي أُخذ منه النص الذي بين أيدينا. فما قضيته؟ وما المفاهيم المؤطرة لها وما إطارها المرجعي؟

يتكون العنوان من مصطلحين: “المنهج” وهو اسم معنى عام دال على مسلك وتخطيط وترتيب وسنن ما، و”الاجتماعي” وهو نعت يُضمر مفهوم “المجتمع”، لكن إلحاقه بالمنهج عبر ياء النسب جعله سمة مميزة له عن المناهج النقدية المتعددة. ومن خلال عبارتي: ” بعد مدام دي ستايل … السوسيولوجية في الأدب “، و ” لم تتبلور النظرية السوسيولوجية … ولوسيان ﮔولدمان “، نُدرك أن الكاتب يرصد تطور المنهج الاجتماعي. وهي دلالة توسع إيحاء العنوان وتجعلنا نفترض أن النص دراسة نقدية تعالج تطور المنهج الاجتماعي من التأسيس إلى التأصيل فالتبلور، وتببن طبيعته وسماته المميزة، وأدواته.

تكثيف معاني النص

يتمفصل النص إلى حزمة من التمفصلات الفكرية الآتية:

1) تطور المنهج الاجتماعي من مرحلة التأسيس مع مدام دي سْتايل (العلاقة بين الأدب والمجتمع والسياسة)، ودي بونالد (الأدب لتعبير عن المجتمع)، إلى مرحلة التأصيل مع إيبوليت تين (حتمية الأدب أسباب حدوثه، وتذوقه رهن بتعرف إطاره الاجتماعي)، إلى مرحلة التبلور مع جورج لوكاتش ولوسيان ﮔولدمان، الذي أسس علم الاجتماع البنيوي التكويني على خمس فرضيات جمعت بين البنيوية والسوسيولوجيا في منظومة نقدية تحلل المضمون الاجتماعي في ضوء الشكل الفني الذي تتبلور بنيته من خلال تحليل يساعد المتلقي على تكوين رؤية خاصة للعالم والمجتمع والحياة.

2) عرض الكاتب للفرضيات الخمس المؤسسة للبنيوية التكوينية:

  • الفرضية الأولى تصل المجتمع والخلق الأدبي بالأبنية العقلية حيث تتبلور المقولات والمفاهيم الاجتماعية، لتشكل الوعي الحياتي لمجموعة ما عبر عالم تخييلي يخلقه الأديب.
  • الفرضية الثانية تعتبر الأبنية العقلية أساس الحياة الاجتماعية بتجلياتها المادية والفكرية والإبداعية، وأبنية مقولات دالة.
  • الفرضية الثالثة تؤكد على العلاقة بين بنية وعي المجموعة الاجتماعية وعالم العمل الأدبي، حيث يوجد تماثل دقيق ينطوي على علاقة دالة بسيطة.
  • الفرضية الرابعة تتعلق باعتبار أبنية المقولات مصدر الوحدة العضوية والبنيوية والأدبية للعمل الأدبي.
  • الفرضية الخامسة ترفض المنظور السيكولوجي الذي يحصُر أبنية المقولات في التصنيفات المجردة للوعي واللاوعي، وتؤكد أن أبنية المقولات تحكم الوعي الجمعي، وتتحول إلى عالم تخيُّلي يخلقه الفنان، ولا يصدر عن لا وعي أو كبت مسبق.

3) قيام النقد، بناء على هذه الفرضيات، على عمليتي الفهم (البحث في البنية الدالة المتأصلة المحققة للتلاحم الداخلي للنص)، والتفسير (إدماج هذه البنية الدالة، كعنصر مكون، في بنية أكبر وأشمل). والفهم والتفسير عملية واحدة ترتبط بزوايا نظر مختلفة تحكمها البنية المحيطة باعتبارها موضوع الشرح والفهم، وينقلب ما كان شرحا ليُصبح فهما، مما يُحتم على الناقد في مرحلة الشرح أن يتصل ببنية جديدة أوسع.

التحليل

الإشكالية المطروحة

تتعلق إشكالية النص بقراءة الأعمال الأدبية قراءة تفسيرية تربطها بشروط إنتاجها الاجتماعية، أي دراسة المنجز الأدبي من زاوية صلته بالمجتمع والبيئة التي أفرزته، ويُعرف بالعقل الاجتماعي، حيث الواقع سابق على الوعي، ومن ثم فالنقاد الذين يتبنون المنهج الاجتماعي يرفضون تفسير العمل الأدبي استنادا إلى الانعكاس المتبادل بين الأديب ونصه؛ لآنهما معا إفراز اجتماعي.

المفاهيـــم

يتوزع النص حقلان مفهوميان:

  • المفاهيم الأدبية :التعبير، الشكل، الخيال، الخلق الأدبي، عالم العمل الأدبي، الوحدة العضوية والبنيوية، بنية دالة شاملة..
  • المفاهيم الاجتماعية : النظرية السوسيولوجية، علم الاجتماع البنيوي التوليدي، رؤية خاصة للعالم وللمجتمع، حياة المجتمع، الأبنية العقلية، المقولات أو المفاهيم، مجموعة اجتماعية، ظواهر اجتماعية، بنية وعي، الواقع الاجتماعي التاريخي، الوعي الجماعي، ذات جماعية، بنية شاملة..

وتهيمن المفاهيم الاجتماعية في النص على ما عداها، لأن الأمر يتعلق بتشريح مفهوم المنهج الاجتماعي ورصد مراحل تطوره، وتحديد إمكاناته. وتُستمد المفاهيم الاجتماعية من حقل علم اجتماع الأدب، وتلعب دورا هاما في إضاءة القضية المطروحة في النص.

القضايا المتفرعة عن الإشكالية

تفرعت عن هذه الإشكالية بعض القضايا النقدية، منها:

العمل الأدبي الخلاق رؤيا للعالم

الرؤيا للعالم تصور معين للمجتمع والإنسان والطبيعة والوجود، يعبر عنه الأديب تحت تأثير مجموعة من العوامل الذاتية والاجتماعية. وتتسم بالشمول والانسجام والتماسك الفكري والعاطفي المجسد في المواقف الكلية المتخذة تجاه المشاكل الأساسية التي تفرزها العلاقات بين الناس، وبينهم وبين الطبيعة. ويربط ﮔولدمان في هذا الصدد بين الوعي والحياة الاجتماعية، ويعرف الوعي بأنه مظهر معين لكل سلوك بشري يستتبع تقسيم العمل، ويستتبع عنصرا معرفيا، مما يجعلنا نفترض في كل واقعة وجود ذات عارفة وموضوعا للمعرفة، ويميز بين نوعين من الوعي وعي فعلي يرتبط بالمشاكل التي تعاني منها المجموعة الاجتماعية [ الواقع ]، ووعي الممكن يتصل بالحلول التي تغير الواقع وتطرح بدائل جديدة. وإذا كان الوعي الفعلي لطبقة ما هو ما تعرفه عن واقعها في فترة معينة وبلد بعينه، فإن الوعي الممكن هو أقصى ما يمكن لطبقة أن تعرفه دون أن تعارض المصالح السوسيواقتصادية المرتبطة بوجودها. ويعطي ﮔولدمان الأولوية للوعي الممكن، لأن العمل الأدبي ليس انعكاسا لوعي فعلي، بل لوعي ممكن يتحول إلى رؤيا للعالم متى كان منسجما ومتماسكا وشاملا.

الوحدة العضوية والبنيوية للعمل الأدبي

تكشفها عمليتي الفهـم أي وصف للبنية الدالة للعمل الأدبي، وهي بنبة نصية سطحية، والتفسيـر أي دمج تلك البنية الدالة في بنية أوسع وأشمل، هي البنية العقلية الناتجة عن الوعي اجتماعي لفئة ما.

وهما مصطلحان مترابطان: الأول أضيق من الثاني، لأن الثاني يحتويه ويتجاوزه، ومن هنا كانت البنيوية (الفهم)، والتكوينية (التفسير). والناقد النيوي التكويني يسعى إلى وضع البنية السطحية ضمن بنية عميقة تشكل الرؤيا العامة الكاشفة عن النواة\ البؤرة. إن البحث عن البنية الجزئية، وإعادة تركيبها يتطلبان رصد ما كان ذا دلالة أساسية. والربط بين البنيتين السطحية والعميقة يجعل للخارج (المجتمع) حضورا في الداخل (النص).

البنية الدالة

هي المكون الأساسي الذي يمكننا من فهم طبيعة الأعمال الإبداعية ودلالتها، وهي المعيار الذي يتيح لنا أن نحكم على قيمتها الأدبية والجمالية والفلسفية. ويحقق مفهوم البنية الدالة هدفين أحدهما مرتبط بالفهم، والآخر بالحكم، وهو يقصي منظور الانعكاس الميكانيكي بين مضمون النص، ومضمون الوعي الجمعي دون الاهتمام ببنية الشكل وموضوع الجمالية في حد ذاته كما تفعل المناهج الاجتماعية التقليدية، لأن العلاقة الأساسية لا تكون على مستوى المضامين، بل على المستوى البنيوي، فأكثر الأعمال تباينا في المضامين يمكن أن تتوفر على بنية واحدة توافق النزعات التي تحاصر الوعي الجمعي لهاته الطبقة أو تلك.

الإطار المرجعي

استند الكاتب في عرضه لإشكالية النص والقضايا المتفرعة عنها إلى مرجعيات منها :

  • سوسيولوجيا الأدب: حيث ينظر إلى بنية النص الأدبي كنظير للبنية الذهنية للفئة الاجتماعية التي يعيد الأديب تركيبها في عمله، ويقوم الناقد بالموازاة بين الرؤية التي تحكم بنية العمل الأدبي والمجال الثقافي الذي ينتمي إليه الأديب. ويرى كولدمان أن هناك علاقة جدلية بين المجتمع والنص، لأن النص يجسد وعيا ممكنا لطبقة اجتماعية، يستشرف المستقبل ويتوخى إيجاد صيغ حياتية ممكنة وبديلة للواقع.
  • علم التاريخ: الأحداث – الأسباب – الحتمية..
  • البنيوية التكوينية: تتوسل بالمعرفة اللسانية في دراسة اللغة باعتبارها نسقا عناصره الأساسية الصوت والمعجم والصرف والتركيب والدلالة، وباعتبارها أداة للتواصل ؛ واستخراج البنية المنظمة للعلاقات بين مكونات النسق، أساسي إلا أن قراءة للنص لا تقف عند هذا المستوى الوصفي، بل تتجاوزه إلى التأويل والتفسير بوضع البنية السطحية ضمن بنية عميقة مبنينة للمتن، وبالانتقال إلى علاقة خارج / داخل للكشف عن البعد الاجتماعي الجدلي للمتن، فالنص ليس منغلقا، بل هو إفرازاجتماعي ثقافي تاريخي، يعبر بوسائله السرية عن طموحات اجتماعية.

طرائق العرض

وظف الكاتب بعض أساليب التفسير كالتعريف (تعريف المنهج الاجتماعي)، والوصف (وصف الفرضيات المؤسسة له)، والسرد (سرد مراحل تطور المنهج الاجتماعي من مرحلة التأسيس والتأصيل إلى مرحلة التبلور)، والمقارنة (بين المنهج الاجتماعي والمنهج السيكولوجي).

ولعل الغرض من أساليب التفسير رصد تطور المنهج الاجتماعي وجرد مبادئه (الرؤيا، الفهم والتفسير، البنية الدالة). والاستشهاد بالنقاد الغربيين يدل على أن هذا المنهج غربي، وأن أولئك النقاد يشكلون مرجعيته النظرية الأصلية.

وقد اتكأ المعروض النصي على محوين: دياكرونى يقوم على الاستعراض المتدرج لمراحل تطور المنهج الاجتماعي لإبراز انتقاله من مفهوم الانعكاس الآلي بين المجتمع والأدب، إلى النظرة الدينامية القائمة على التناظر بين بنية النص وبنية المجتمع، في أفق الرؤيا الاستشرافية للمستقبل والمساهمة في تغيير الواقع الاجتماعي، وسانكروني يقارب مفاهيم المنهج الاجتماعي من خلال جرد خصائصه، ووصف واتجاهاته. ويتحدد دور هذين المحورين في بناء موضوع متماسك ومنسجم يتناول منهجا أثار كثيرا من الخلافات بين المنظرين والنقاد، وانتشر على نطاق واسع، وتداخلت حدوده في مراحل تطوره التاريخية.

التركيب والتقويم

إذا كان المنهج التاريخي الاجتماعي ينظر إلى النص باعتباره انعكاسا لظروف اجتماعية ( ثقافة، سياسة، اقتصاد..)، وإلى الكاتب باعتباره إفرازا اجتماعيا، فإن المنهج البنيوي التكويني يقوم على منطق العلاقة الجدلية بين المجتمع والنص، لأن النص يجسد وعيا ممكنا لطبقة اجتماعية ينتمي إليها الكاتب، تستشرف المستقبل وتبحث عن بدائل ممكنة للواقع. وقد حاول الكاتب عرض المنهج الاجتماعي والأسس التي قام عليها، وإبراز إمكاناته في معالجة بنية النص، والبحث في البنية المناظرة لها في المجتمع وأنساقه الثقافية والاقتصادية، أو ما يُعرف بالعقل الاجتماعي.

وبناء عليه تتأكد صحة افتراضنا بأن النص يعالج مراحل تطور المنهج الاجتماعي ومبادئه الأساسية وإمكاناته التفسيرية. ويتوجس بعض النقاد من المنهج الاجتماعي مخافة حصر الأدب في وظيفته الاجتماعية المباشرة، لأن النقاد لا يصلون إلى تفسير اجتماعي عقلي للأعمال الأدبية الكبرى، إذ يكشف التفسيرُ الداخليُّ وحده أسرارَها، لإن المنهج الاجتماعي يهمل الملمح الجمالي الماثل في الدلالة نفسها. ولهذا الرأي وجاهته، ولكنْ إذا كان للمنهج الاجتماعي حدودا لا يتجاوزها، فإن ذلك لا يُلغي إمكاناته العديدة التي لا يستطيع غيره من المناهج توفيرها.

المسرحية (نص مسرحي) – تحليل نص ‘الكنز’ لتوفيق الحكيم – دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المسرحية (نص مسرحي) – تحليل نص ‘الكنز’ لتوفيق الحكيم

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية القراءة

المسرح نص وعرض، وهو أيضا علاقة اجتماعية، فهو لا يكتمل إلا بحضور المشاهدين، إنه، كأي نوع أدبي آخر، يسعى إلى تبليغ رسالة إلى المتلقي، تعرض وجهة نظر، أو نتيجة تأمل للواقع.

ومنذ الربع الثاني من القرن 20 بدأت عملية تأليف نصوص مسرحية ذات بناء درامي متقن قابلة للقراءة والعرض معا، اهتداء بالنموذج الغربي ومزاوجة بين التأليف الدرامي والمضامين الواقعية والتراثية لربط ما هو عربي بما هو عالمي، فجمع كتاب المسرح بين التأليف النثري والشعري، وتنوعت المضامين بين السياسي والاجتماعي لمعالجة المشاكل الناجمة عن تطور المجتمع العربي. ومن مسرحيي هذه الفترة (ألفريد فرج، محمود تيمور، جورج أبيض، مراد السباعي، يوسف وهبي، عبد الوهاب أبو السعود، ونجيب حداد وأمين الريحاني..). ويعتبر توفيق الحكيم أبرز رواد هذه المرحلة، إذ جمع إنتاجه بين المسرح الذهني والاجتماعي والسياسي واللامعقول. ولد سنة 1898 في الإسكندرية، حصل على الإجازة في الحقوق، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته القانونية، إلا أنه وُلع بالفن والأدب. وبعد رجوعه إلى وطنه تقلب في عدة مناصب سرعان ما استقال منها ليتفرغ للكتابة في الأدب والصحافة حتى توفي سنة 1987. وقد ترك مسرحيات منها: سليمان الحكيم أهل الكهف الملك أوديب ألف ليلة وليلتان…، وروايات منها: عصفور من الشرق عودة الروح، وقصص منها: عدالة وفن. والنص قيد الدرس مأخوذ من مسرحيتة (الكنز). فما موضوع المسرحية ؟ وما الوسائل المعتمدة لتشخيصه ؟ وما رهانه ومقصديته من ذلك ؟

فرضية القراءة

العنوان خبر لمبتدأ محذوف. والتعريف يفيد هنا التعيين. وكأن الكاتب يقول (هذا هو الكنز الحقيقي ). ويوحي الكنز بمعنيين : أحدهما مادي يتعلق بالمجوهرات والأحجار الكريمة..، والثاني معنوي يرتبط بالقيم الروحية والجمالية التي قد تتوفر في بعض النفوس الطيبة الجميلة. وملفوظ الأم في نهاية المشهد يرتبط بالدلالة المعنوية لمفهوم الكنز.

انطلاقا من ملاحظة المشيرات الدالة السابقة نفترض أن موضوع النص هو الصراع بين القيم الروحية الجمالية والقيم المادية في العلاقة بين الناس. فإلى أي حد استحوذت هذه المسرحية على الرغبة الكامنة داخل نفوسنا حتى تسمع وترى ما يسرها أو يكشف عن أخطائها ؟ وما هي خصوصيات هذه المسرحية على مستوى الموضوع والبناء والأسلوب ؟

الفهم

يطرح النص قضية اجتماعية تتمثل في بناء العلاقات بين الناس وخاصة العلاقات الزوجية على المصالح المادية على حساب القيم الروحية النبيلة والجمالية الراقية.. فإذا كان الكنز بالنسبة للأب والأم والخطيب ينحصر في المال، فإنه بالنسبة ل” مراد ” و ” درية ” يتعلق بالإيمان بقيمة الفرد الإنسانية والروحية.

وقد عرض الكاتب هذه القضية من خلال مشهد يقوم على أربعة مفاصل هي :

  • حوار الأب والأم والخطيب حول ثروته ورغبته في خطبة ” درية “.
  • ممانعة هذه الأخيرة وذهاب الأم في طلب درية واختلاق عذر لتبرير عدم رغبتها في الخطيب الثري.
  • دخول مراد إلى البيت تحت ذريعة إخراج كنز منه شريطة بقاء درية معه لأن الكنز سينفتح على عينيها بعد خروج الخطيب قلقا.
  • حوار مراد ودرية حول حقيقة مجيئه وإخبارها بمشاعره تجاهها، والكشف عن المعنى الحقيقي للكنز.

التحليل

جرد القوى الفاعلة

  • الأب : متوسط الحال طماع، يرغب في المال ولو بجواز ابنته معاكسة رغبتها، إنه رجل ساذج، أمي، جاهل …
  • الأم : تشارك الأب في التهافت على المال، ولكنها ستلعب دورا في إقناع الأب بالإذعان لرغبة ابنتها في مراد.
  • درية : تتميز بروح سامية تبحث عن شريك حقيقي يشاركها تلك المعاني، لذا رفضت الارتباط بالخطيب الغني وقررت التعلق بمُراد المؤمن بما تؤمن به، يمكن اعتبارها الموضوع المرغوب فيه، فهي معادل رمزي للكنز.
  • الخادم : لعب دور الوسيط بالإخبار بمجيء مراد.
  • الخطيب : رجل ثري لا يؤمن إلا بالقيم المادية في الحياة. رمز الخداع والقيم المادية في الحياة.
  • مراد : لعب دور الساحر كذريعة للظفر بدرية التي رأى فيها مجسدة للمعاني الإنسانية السامية فقرر الارتباط بها ولو بالحيلة التي أعطت أُكلها. وهو رمز للإنسان المثقف النبيل الذي يقدر القيم الروحية السامية في الحياة. نجح في إقناع أفراد الأسرة بوجهة نظره.

نلاحظ مطابقة الصفات النفسية للوضع الاجتماعي والقيم التي تؤمن بها كل شخصية، وهذا يبين مساهمة كل منهما، من خلال سماته تلك، في تحقيق البرنامج السردي لكل عامل.

البنية العاملية

جسدت درية دور العامل الموضوع الذي تجاذبته باقي العوامل الأخرى، ويمكن بيان علاقتها بباقي العوامل كالتالي :

  • العامـــــل الأب : البنت وسيلة لتحقيق موضوع الاغتناء والارتقاء الاجتماعي.
  • العامـــــــل الأم : البنت بالنسبة لها أيضا وسيلة للاغتناء والارتقاء الاجتماعي.
  • العامل الخطيب : درية بالنسبة له موضوع لإشباع رغباته المادية.
  • العامـــــل مراد : درية بالنسبة له موضوع لتحقيق إنسانيته في أبعادها الروحية، لذا اختلق وسيلة السحر للظفر بموضوعه.

تميزت البنية العاملية في هذا النص بالتنامي والتطور، ويمكن توضيح ذلك من خلال المراحل التالية :

  • بنية تباين الرغبات (التعارض) : وتتجلى في بداية المشهد، حيث تتعارض رغبة درية مع رغبة الخطيب.
  • بنية الصراع (العقدة) : حين بدأ الخلاف بين الأب والخطيب، والساحر من جهة ثانية حول استخراج الكنز.
  • تفسخ البنية (الحــل) : محاورة مراد لدرية وكشفه لها عن حقيقة مجيئه وتغيير معنى الكنز في فهم الأب والأم.
القيم والأنساق الفكرية
القوى الفاعلةأبعادها الرمزيةموقفها من الحياةقيمها بين المادي والمعنوي
الأبالجشع، رجل مادي..مادي يؤمن بالقيم المادية في الحياةمادية
الخطيبانتهازيالحياة لهو ومتعةمادية
دريةإنسانيةتؤمن بسيادة القيم الروحيةروحية

إن تباين الرغبات وتصاعد الصراع يعود إلى تباين القيم والأنساق الفكرية التي تمثلها القوى الفاعلة. وفي نهاية المطاف تنتصر القيم الروحية والأخلاقية على القيم المادية. وهذا الصراع يمثل، نسقا اجتماعيا يضم هذه المتناقضات.

القيم الأكثر قوة وفاعلية وتعبيرا عن صوت المؤلف هي : القيم المعنوية التي تعترف بدور الإيمان بالعلاقة الروحية الرابطة بين الناس، وربما بعود اتخاذ المؤلف لهذا الموقف بسبب ما يتميز به المجتمع من انحلال خلقي وإيثار الناس للقيم المادية على حساب القيم الروحية.

وتُعتبر الحيلة عملا مشروعا لتبرير هدف إنساني يزيل عائقا خلقيا قد يؤدي إلى تفسخ العلاقات الإنسانية، وإحلال محلة انبناء هذه العلاقة على أسس نبيلة وقيم روحية سامية.

الصراع الدرامي

من مظاهر الصراع بين مختلف القوى الفاعلة الصراع النفسي (كتمان المشاعر الطيبة بين مراد ودرية، والتي من أجلها تم نسج الحيلة للظفر بالموضوع) والاجتماعي (التحايل للحصول على الثروة والاغتناء) والفكري (منظومة القيم المتباينة بين أفراد المجتمع الواحد). والنتيجة هي انتصار القيم الإنسانية السامية كسبيل وحيد لخلق التوازن في العلاقات الاجتماعية.

الحـوار

ينقل الكاتب أقوال الشخصيات بشكل موضوعي (أو على الأقل يوهمنا بذلك)، فقد أفسح المجال لصوت الشخصية مباشرة لتعبرعن دواخلها ومواقفها ووضعياتها من خلال أحداث ملفوظة، إننا أمام خطاب معروض، يظهر الخيالي فيه في صورة الواقعي.

وما يلفت النظر أن الكاتب ينقل كلام الشخصيات كما هو دون إضفاء تلوينات دلالية أو شحنات انفعالية عليه، ويتبع سبلا استدلالية متنوعة (تقديم الحجج والبراهين والأمثلة والفرضيات وأساليب الامتناع وصيغ التوكيد وشروط الصدق …)، ليصل إلى نتيجة مفادها تطابق وجهتي نظر درية ومراد.

نظرا لخاصية الصراع المميزة للحوار جاءت سمات وملفوظات الشخصيتين متباينة ؛ واتسم حوار القوى الفاعلة بسمات متنوعة، نبينها كالتالي :

  • الحوار الجدي : ” ماذا جرى لها ؟ ذهبت تُحضر منديلها ولم تعد ؟ ”.
  • الحوار الساخر : الخطيب : ” إذا كانت حضرتك تستطيع أن ترى المال المخبوء في الحيطان؛ فهل تستطيع أن ترى المال المخبوء في جيبي؟” – مراد : ” عيني لا ترى نقودا ولكنها ترى كنوزا.” – الخطيب : ” ابدأ بفحصي يا حضرة الأخصائي.. من يدري … ربما بقدرة قادر ينفتح علي الكنز ؟ ”.
  • الحوار الهزلي : الخطيب : ” من ذا يرفض الفُرجة على ” شمهروش ” بالمجان ؟ ”.
  • الحوار المتسلط : الأب : ” حضرته يذهب إلى داهية لا تُرجعه..”.
  • الحوار الماكر المتحايل : ” مشاغل البيت …مسكينة … إنها نشيطة أكثر من اللازم … لا تريد أن تترك للخدم أبسط الأمور.. ”.

وردت بعض العبارات العامية في بعض الحوارات، مثل ” أبا العز بكْ ”، ” زفتْ ”

البرهنة والحجاج

إذا كان النص المسرحي يعتمد على الحوار لتبليغ رسالته وتجسيد جماليته، فإن سمة البرهنة والحجاج تعتبر بارزة في الكتابة المسرحية، باعتبارها ترمي إلى إثارة الانفعال المشترك لدى المتلقي، ثم إنها تسعى إلى تحقيق نوع من التواصل بين الكاتب والمخرج والممثل والقارئ والمتفرج ؛ وقد دافعت كل قوة فاعلة عن موقفها بالحجة والبرهان :

  • حجة الخطيب على صحة وجهـــة نـظـره: ” وهذا طبعا ليس بكثير على صاحب ثروة تُقدر الآن، كما تعلمون، بستين ألف جُنيه؟”.
  • حجة مراد على صحة وجهـة نظره : ” هذه الروح المضيئة … ”.
  • حجة درية على صحة وجهة نظرها : ” أبي يجب أولا أن نتفق على معنى الكنز” ماذا تقصد بالكنز ؟.

ويبدو أن حجج مراد ودرية هي الأكثر إقناعا بموقفهما ؛ لأنها أنهت القصة بتغيير موقف الأب والأم معا. وإذا كان حجم الحوارات متفاوتا طولا وقصرا في النص، فإن ذلك يُعزى إلى تباين وضعية كل من الشخصيات وموقفه من الآخر. أما الأسلوب الحواري فتلعب فيه الجمل الاستخبارية دورا حاسما في تبئير مختلف القضايا المستهدفة.

وتتميز لغة الحجاج بأفعال كلامية متنوعة لتحقيق هدف معين :

  • الاستفهام للاستئذان والتقزيم: درية : “… أتسمح لي أن أناديك باسمك المجرد ؟ ”.
  • النهي للردع : درية : ” لا تجعل للمال كل هذه القيمة ”.
  • الخبر للسخرية : درية : ” لن أعتقد ذلك … الدجال رجل صاحب براعة ولكنه ليس صاحب إيمان.. “.

ولعل الهدف من توظيف أفعال الكلام هو تنويع المقامات لتصعيد الفعل الدرامي، فمعظم الجمل إستفهامية، تسعى إلى تبئير مختلف القضايا المستهدفة. وهناك حفاظ على الصيغ التعبيرية الانفعالية ( كالريبة، والسخرية، والتساؤل، والتعجب) الواردة في الخطاب المنقول للإيهام بحقيقته المفترضة، وبضوابط التبادل اللفظي الذي يجري في الكلام. وقد يكون من بين دلالاته أنه يعطي لوجود المتكلم والشخصية في النص كينونة تخييلية توحي بالامتلاء والاستمرار.

الأسلوب / التركيب

يوحي توزيع السطور على الصفحات من خلال العارضة التي تميز استهلال الكلام بأن الجمل في النص مستقلة بذاتها عما يسبقها ؛ فإذا فحصنا تركيب هذه الجمل الحوارية، وجدناها تتضمن ضمائر، وأدوات، وكلمات متكررة، وروابط تصلها بالجمل المحيطة بها، مما يضفي على النص خاصية والاتساق والانسجام.

تفاعل الزمن والمكان

لا شك أن دلالة الأمكنة لا تتحقق إلا بعلاقتها بعنصر الزمن، وقد جرت الأحداث في لحظة زمنية محددة هي زمن الخطبة، وتتطور الأحداث تصاعديا حتى النهاية. ويبدو أن التفاعل بين الزمان والمكان في هذه المسرحية قد ولد صورة متناقضة للقوى الفاعلة، فلكل واحدة منها مفهومها الخاص للكنز..

البيت فضاء يعكس صراع القيم والمصالح بين الناس؛ فهو مجال مغلق يُفترض أنه يضيق بتباين المواقف والمصالح وأحرى بصراعها، لذلك كان بؤرة لتذويب الخلاف بين وجهات النظر حول مفهوم الكنز. وقد تحقق ذلك بعد خروج الخطيب من البيت …

الزمن الواقعي والزمن النفسي: الأول صيغ نحويا بصيغة المضارع الدال على تحقق الفعل في الزمن الحاضر للإيهام بواقعية ما يحدث، والثاني يعمق وعي القارئ بالأحوال الشعورية للشخوص، وأثر ذلك في القوى الفاعلة ودورها في تطور الأحداث نحو نهايتها، وتحقيق مغزاها..

الخُطاطة السردية

تنتظم أحداث المسرحية وفق خطاطة سردية محكمة، نوضحها من خلال الجدول التالي :

وضعية البداية (العرض)الاستهلال بالمشهد والتعريف بمجال الديكور وبعض الشخصيات ووضعيتها، وتباين الرغبات.
العنصر المخلرفض درية الارتباط بالخطيب ومجالسته.
وضعية الوسط (العقدة)مجيء مراد متقمصا دور الساحر الذي يدعي أن في البيت كنزا..
عنصر الانفراجاختيار مراد لدرية لينفتح عليها الكنز والاختلاء بها للتعبير عن إعجابه بها، وخروج الخطيب من البيت.
وضعية النهاية (الحل)ارتباط درية بمراد على أساس من تطابق مفهوم الكنز لديهما.

البعد الوظيفي لوضعيتي البداية والنهاية، وأثرهما الجمالي في المتلقي يتجلى في كون الكاتب أقحمنا مباشرة في قلب الحدث، وأجبرنا على تتبع سيرورته ليقنعنا بقبول موقف من الارتباطات الاجتماعية بين الرجل والمرأة المبنية على الإكراه بدافع الجشع والطمع في المال على حساب القيم الإنسانية.. ومن الناحية الجمالية، فهو يحدد لنا، كمتلقين، أفق انتظار يسمح لنا بوضع فرضيات للقراءة من خلال وضعية البداية، ( تحديد نوع النص واتجاهه الأدبي، وطبيعة كتابته (الإيهام بالواقع وخلق تشابه بين عالم النص وعالم الواقع) والتعرف على الوضعية الأولى للشخوص، مرورا بإدراك العنصر المخل والعقدة وعنصر الانفراج / النهاية التي تتعلق وظيفتها بالدفع بنا إلى تأويل الفعل المحتمل، وتعزيز الأفق أو خرقه.

الإرشادات المسرحية

يعتمد المسرح أنساقا لغوية موازية، وهذه الإرشادات سرد قصير يؤثث الكاتب به فضاء المسرحية، وله أهمية كبيرة وأثر بالغ على متلقي النص المسرحي يتجلى في ترجمة الانفعالات والروابط الوجدانية بين الممثل والجمهور، وإغناء الإرسالية وضمان استمرار التواصل وموضعة الحدث في ظرفية معينة، وتقديم معلومات عن الشخوص والفضاء والزمان، ووصف وضعياتها وحركاتها ونبرات الصوت والكلام.. ومن هذه الإرشادات:

  • ما يدل منها على المخرج : ” يشير إلى الفنجان الرابع ”، ” تنهض وتخرج من القاعة “.
  • ما يدل منها على الممثل : ” الحوار بين الشخصيات “.
  • ما يدل منها على الديكور : ” البيت “، ” رجل بالباب ”.
  • ما يدل منها على المتفرج : ” ينهض على قدميه ”، ” باحترام ” ومثل هذه العبارات تتعلق بالتحديد الدرامي للفعل ؛ لأن المسرحية تكتب أساسا لتؤدى على خشبة المسرح.
  • ما يدل منها على القارئ : ” التقديم للنص بالإشارة إلى مشهد يمثل صاحب البيت..”، إضافة إلى شكل الكتابة، وتوزيع السواد على البياض.

وقد تتضمن إرشادات وتوجيهات عن الإنارة وطبيعة الديكور ومزاج الشخصية.. وهي أمور يمكن للمخرج أن يستأنس بها لإخراج النص من القوة إلى الفعل.

التركيب والتقويم

ينتمي النص إلى مسرح المجتمع بعرضه القيم والأنساق الفكرية المتحكمة في سلوك الشخصيات وومواقفها المتأرجحة بين آلمادية المرتهنة إلى اللهو والمتعة والمصلحة، والروحية ذات النزوع الإنساني المثالي، ولعل المؤلف يعالج ما يسود المجتمع من تفش للقيم المادية على حساب القيم الروحية. ويتجلى أيضا في الصراع الدرامي في بعده الاجتماعي والفكري، حيث يصور الكاتب واقع أسرة مصرية ( التحايل للحصول على الثروة والاغتناء ) ومنظومة القيم المتباينة بين أفراد المجتمع الواحد. وتُعتبر الحيلة عملا مشروعا لتبرير هدف إنساني يزيل عائقا خلقيا قد يؤدي إلى تفسخ العلاقات الإنسانية، ويحل محله أساس صحيحا. وقد وظف الكاتب الكنز في بعد رمزي جسدته ” درية “، هو أن القيم الإنسانية السامية هي الكنز الذي يجب أن تتوق إليه النفوس.

تقوم المسرحية على مقومات فنية تتميز بها موضوعا وبناء وأسلوبا.. منها :الحوار، الصراع والتصعيد الدرامي.

ومكونات المسرحية (شخوص، زمان، مكان، ديكور.. ) تشخص لغويا لتشكل المادة الخام للعرض المسرحي، ومن ثم تحظى بوجود مزدوج يسبق العرض ويصاحبه.

يعبر النص، من خلال أدواته الفنية، عن قضايا يغذيها الصراع النفسي والاجتماعي والفكري بين نماذج أو قوى اجتماعية أو نفسية أو فكرية تحكمها علاقة التوافق والتضاد، ذلك أن ما يضفي الشرعية على الكتابة الدرامية هو تصاعد حدة الصراع بين النقائض(الوحدة)، وبذلك نتيقن من الفرضية والتي تتعلق بإيثار القيم الروحية والجمالية على القيم المادية في العلاقات بين الناس.

المسرحية (نص نظري) – تحليل نص ‘سمات النص المسرحي’ لفرحان بلبل – دروس النصوص – اللغة العربية

عنوان الدرس : المسرحية (نص نظري) – تحليل نص ‘سمات النص المسرحي’ لفرحان بلبل

المادة : دروس النصوص – اللغة العربية

الشعبة: اداب وعلوم انسانية

المسالك: مسلك اداب ومسلك علوم انسانية

إشكالية النص وفرضيات القراءة

في النصف الأول من القرن 19 لم يكن النقاد العرب يعرفون الكثير عن الفن المسرحي، فانبرى المسرحيون أنفسهم للتعريف بهذا الفن والدفاع عنه واتخاذه وسيلة للإقناع. وقد مثل هذه المرحلة مسرحيون نقاد أمثال ( مارون نقاش، أبو خليل القباني، ويعقوب صنوع..). وكان للصحافة دور في نشر مقالات داعمة للمسرح، حافزة المسرحيين على تطوير أساليبهم، لنقاد مثل: حفني ناصف، وعبد الله النديم، وسليم الخوري، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ومحمد حسين هيكل..،. وتميز النقد في هذه المرحلة بالانطباعية والارتجالية والأحكام العامة والذاتية التي لا تعتمد على أصول أو قواعد نقدية.

بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الثقافة المسرحية تتغير لدى المسرحيين والنقاد بسبب دور المطابع والمؤسسات الرسمية والمجلات المتخصصة ووسائل الاتصال المتنوعة في نشر الثقافة المسرحية وتشجيعها، فأصبح المسرح يدرس في الجامعات بناء على قواعد وأصول ومدارس..، وتخرج منها نقاد أمثال: حسن المنيعي، ومحمد المديوني، وسعد أردش، وعبد الرحمان بن زيدان، ورياض عصمت. كما أن المسرحيين أنفسهم أصبحوا يُنَظرون لأعمالهم المسرحية ويعرفون بها، من قبيل: سعد الله ونوس، وروجيه عساف، وعبد الكريم برشيد.. وفرحان بلبل من أقطاب مرحلة النضج في النقد المسرحي العربي، ولد سنة 1937 بسوريا، اهتم بالمسرح كاتبا ومخرجا وناقدا، ساهم في تأسيس فرقة ” المسرح العمالي بحمص ” سنة 1987. له أعمال مسرحية ونقدية عديدة، فمن المسرحيات نجد ( يا حاضر يازمان )، ( لا ترهب حد السيف )، ومن مؤلفاته النقدية: المسرح العربي في مواجهة الحياة، مراجعات في المسرح العربي، النص المسرحي : الكلمة والفعل الذي أُخذ منه هذا النص. فما القضية التي يطرحها الكاتب فيه ؟ وما طرائق عرضها ؟

يشير العنوان بتوصيف النص المسرحي بما هو نص له خصائص بنيوية ووظيفية وجمالية، وتدل المشيرات: المعايشة، الآنية، الديمومة، الهدف الأعلى..على علاقة المسرح بالراهن من القضايا المرتبط بهموم الواقع. ويبدو أن النص وصفي يعرض لجنس أدبي سردي متميز عن غيره، هو المسرحية، ويتمحور حول فكرة عامة عن المسرحية بين ديمومة خصائصها الجوهرية وأصولها وثوابتها، وتغير بعض سماتها، وعن العلاقة بين النص والعرض.

الفهم

سمات النص المسرحي:

  • المعايشة : وتعني اهتمام المسرحية بمشكلات العصر الفكرية والسياسية والاجتماعية والإنسانية، ومعالجة قضايا الواقع.
  • الآنيـــة (التحيين): عملية تقوم على مسرحة حدث تاريخي أو شخصية أدبية أو أسطورية وفق منظور عصري وحداثي يتأسس على منطق التداخل بين الأزمنة : الماضي والحاضر، ويكتسي التحيين أهمية خاصة باعتباره إجراء يخول عقد حوار بين ذات الكاتب وخطاب ماض انصهر مع راهنية الأحداث المعيشة.
  • الديمومة: إدراج الكاتب قضايا مجتمعه الآنية ضمن ديمومة صراع نزعات البشر بين الخير والشر.. وتلازم الآنية والديمومة يُعطي للنص المسرحي خصوصية في تكوينه وأساليب تأليفه تطبع التأليف المسرحي بقواعد ثابتة في جميع المذاهب، وهي (الصراع ـ تصاعد الحكاية دراميا ـ دقة بناء الشخصيات في تطورها عموديا وأفقيا )
  • الهدف الأعلى: هو تجسيد هموم الإنسان الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وكل ما يمثل المطالب الأساسية للمجتمع، التي من أجلها يذهب الجمهور إلى العرض المسرحي ليشارك الآخرين الرأي فيها.

تلازم هذه السمات الأربع هي ميزة المسرح وآفته التي تُفقده الكثير من قيمته الأدبية والفنية، وتحوله إلى أثر متحفي ؛ وفي الآن تجعله يطور نفسه، ويطور النقد المسرحي، ويرتقي بالذائقة الجمالية لذا الناس، وتفرض على الكاتب المسرحي تجديد أسلوب الكتابة الذي يعادل فنيا الواقع الاجتماعي والذوق الجمالي السائد في عصره.

بتغيرات الواقع (قضايا جديدة، الذوق، وسائل التعبير ) تُبتكر أساليب جديدة في الكتابة المسرحية، مع الحفاظ على الأصول والثوابت، كالآنية والديمومة..

شرط الإبداع في الكتابة والعرض المسرحيين هو التجريب والوعي التام بجماليات الفن التشكيلي والموسيقى والشعر والأدب عموما.

الفن المسرحي جُماع الفنون إذا أحكم الكاتب قبضته عليها، فهو يرتقي بها جميعا في الإطار المسرحي.

التحليل

الإشكالية المطروحة

تتعلق إشكالية النص برصد سمات النص المسرحي التي تتجسد بها ثنائية الهدم والبناء باعتبارها خاصية من خصائص التأليف المسرحي، وهي مدعاة للتجريب المسرحي ؛ فكل ممارسة إبداعية، ومنها الكتابة المسرحية، إنما هي تحليل لمفاهيم وقيم ما أن تتبلور في نسق الحياة الاجتماعية ببعدها الواقعي المعيش حتى تنبثق من رحمها صياغات لقيم أخرى بديلة ومحتملة في الواقع وفي الكتابة والذوق الفني على السواء في تواصل مع مختلف الأجناس والأشكال التعبيرية الموازية بما يجعل الكتابة المسرحية مجالا للتجريب بامتياز. إنها ثنائية الثابت والمتحول، الثابت المرتبط بما هو إنسان، والمتحول المرتبط بما هو معيش وبالآنية. ولعل السعي إلى خلق توازن بين الثابت والمتحول هو ما يضفي على النص المسرحي خلوده ؛ لأنه يعالج ما هو جوهري في مقابل العرض المتغير في حياة الإنسان.

ونلاحظ أن سمات النص المسرحي المشار إليها في النص سمات جوهرية، لأنها ميزات نوعية لصيقة به في كل زمان وفي كل الاتجاهات المسرحية.. ومن ثنائية الهدم والبناء هذه انبثقت سمات النص السابقة.

المفاهيم والقضايا

مفاهيم حقل النص

السمات، بهاء، النص المسرحي، الصراع بين الخير والشر، تكوينه (النص المسرحي)، وأساليب تأليفه، تصاعد الحركة دراميا، دقة بناء الشخصيات عموديا وأفقيا، المذاهب والاتجاهات والمدارس المسرحية، تخلفه عن عصره بمجرد الانتهاء من كتابته، دقة التصوير، حكايته مقصودة بذاتها وبمراميها، سماته وسيلة لتطوير المسرح نفسه والنقد المسرحي، والارتقاء بالذائقة الجمالية، أسلوب الكتابة معادل للواقع الاجتماعي،الابتكار والتجديد والتجريب، ضرورة الوعي بالجماليات الفنية السائدة في العصر.

مفاهيم حقل العرض

التماهي (تماهي المتفرج) والاندماج، يشاهد المتلقي ذاته ومشاكله على خشبة المسرح، فريق العرض المسرحي، غاية المخرج.. البحث عن الهدف الأعلى وإبرازه، المشارك في متابعة القضية بالرأي.. العرض، الناس، المتفرج، المشاركة …

لعل هيمنة مفاهيم حقل النص تدل على أن الكاتب يهدف إلى إبراز أهم سمات المسرحية باعتبارها نصا، ثم بعض قواعد السينوغرافيا / الكتابة الموجهة لللعرض، بفعل الإخراج والديكور والإضاءة والموسيقى، ومفاهيم الحقلين تتكامل للدلالة على وحدة عناصر المسرحية.

ومن ضمن القضايا النقدية التي تُنيرها الإشكالية المطروحة وتهدف إلى توضيح السمات العامة للمسرحية باعتبارها حدودا فاصلة بينها وبين غيرها من الفنون:

  • قواعد التأليف المسرحي : أي مختلف المقومات الجمالية والمبادئ الفنية التي تقوم عليها الكتابة المسرحية، والتي تُستمد من المعرفة العميقة بطبيعة هذا الفن الأدبي. ووظيفته وموضوعه وبناء وأسلوبه.
  • التجريب المسرحي : تجريب مختلف أشكال التعبير الفنية، والاستفادة من إمكاناتها، وإدماجها في الإطار المسرحي الذي تتلاشى فيه الحدود بين مختلف الفنون، وتُتاح لها فرصة التطور والارتقاء..
  • علاقة المسرح بباقي الفنون : المسرح أبو الفنون لأنه يوظف الحياة بمختلف مظاهرها، ويقوم ببناء عالمه التخييلي اعتمادا على مختلف الأنساق التعبيرية من تشكيل وموسيقى وحركة وتواصل لغوي وغير لغوي. إنه ليس بؤرة تلتقي فيها هذه الفنون بشكل تراكمي، بل مجال للتجريب تخرج منه احتمالات تطوير تلك الفنون نفسها. وربما ساهم تطور السينما ووسائل الاتصال بالجمهور في إخفاء هذه الحقيقة، ولكن علاقته بباقي الفنون هي علاقة فنية وعضوية.
  • المقصدية في المسرح : رهان الكاتب الذي يعكس وجهة نظره في القضايا الاجتماعية والسياسية الثقافية والفنية..
  • علاقة المسرح بالواقع : علاقة معايشة وتعبير ونقد وتعديل في أفق استشرافي يتوخى صيغا حياتية ممكنة..

الإطار المرجعي

استند الكاتب في عرضه لإشكالية النص والقضايا المتفرعة عنها إلى عدة مرجعيات منها :

علم النفس

باستحضار الوعي الفردي أو الجمعي وعلاقتهما بعوامل المحيط والبيئة في تشكيل النص المسرحي وتثويره، إذ يقوم آلكاتب بإعادة بناء مدركاته في بنية نصية تفجر الواقع، ويعيد القارئ بناء النص عبر التأويل بناء يدفع الناقد والكاتب والمتلقي إلى ملاحقة الوعي المتحكم في الإحساس بالواقع وترجمة الهدف الأعلى وتأثيرات النص كتابة وعرضا على بنيات التلقي.

علم الاجتماع

حيث العلاقة بين النص والمجتمع من خلال ثنائية البناء والهدم جلية، إذ ركز الكاتب على البعد الرؤيوي للكتابة المسرحية. وعلى العلاقة بين المجتمع والنص، باعتبار هذا الأخير يجسد وعيا ممكنا، من خلال رؤية طبقة اجتماعية ينتمي إليها الكاتب، تستشرف المستقبل وتتوخى إيجاد صيغ حياتية ممكنة وبديلة للواقع خسب كولدمان مما يجعل النص المسرحي يحمل رؤيا للعالم يتوجه النقد، في تحليله، إلى الكشف عنها.،

نظرية التلقي

إن الخطاب المسرحي انتقائي تتخلله فراغات ؛ لأن المسرحية لا تمنع إلا جزأ يسيرا من الكلمات التي يفترضها تحقق الحدث، ومع ذلك يلزمك – بصفتك قارئا أو متفرجا – أن تفهم المجموع. والكاتب المسرحي لا يلغي من حسابه الوضع الاعتباري المتلقي، لكونه يمثل طرفا أساسيا في المعادلة المسرحية وفي إنتاج الفعل الدرامي، والعلامات، فدوره لا ينحصر في التلقي السكوني والاستهلاك الآلي والتفكيك الساذج للعلامات، بل إنه يصنع المعنى وينتج الدلالة ارتكازا على إجراأت تأويلية منظمة تفضي إلى ترتيب المعاني وتنظيمها ووضعها في بنية دالة. وبذلك يصبح فعل التلقي عملا إبداعيا يتمركز حول الأثر الفني في شكل تفاعل وقراءة للعمل تضفي عليه في النهاية صفة التحقق.

نظرية الأجناس الأدبية

حيث يبدو الكاتب منشغلا في النص بالبحث عن الخصائص المميزة لفن المسرحية كجنس سردي ذي طبيعة وتكوين خاص ووظيفة تواصلية وجمالية مرتبطة بذاك التكوين وتلك الطبيعة، مما يجعله جنسا يتضمن أجناسا أخرى في هيكله المتفرد.

طرائق العرض

عمد الكاتب للدفاع عن أطروحته إلى استثمار بنية حجاجية استشهادية ومنطقية، فمن الأولى قوله : ” ودليل ذلك أن كتاب كل جيل يتخذون أصولا واحدة في الكتابة … يدافعون عن أهداف عليا واحدة تشكل المطالب الأساسية لمجتمعهم ”.ومن الثانية توظيفه أساليب التفسير، من تعريف (تعريف المسرحية بتحديد سماتها المميزة، ووصف ماهيتها ووظائفها)، ووصف (وصف مكونات وعناصر المسرحية ورسالتها الاجتماعية والفنية والفكرية، والعوامل المحيطة بها كالإخراج)، وسرد (سرد حالة تحول النص المسرحي من مرحلة الإشعاع إلى الأفول بعد مرور مدة زمنية محددة) ومقارنة (بين المسرح والرواية والشعر)، واهتمامه بالتنظيم المحكم للمعلومات التي تبدو وحدة متماسكة، وتصورا منسجما يُقدم عبر مراحل، فيتحقق الإقناع بمحموله المنطقي وجهازه المفاهيمي الدقيق وإحالاته المرجعية، واتكاؤه على الاستقراء المنطلق من الجزء إلى الكل، من السمات الجزئية للمسرحية، وتفصيل القول في كل منها، وإبراز العلاقة بينها مجتمعة بشكل عضوي، والتدرج في التفسير وفق مسار استدلالي، إلى كون ” فن المسرح جُماع الفنون … وهو أمر لم يتحقق له حتى الآن. مما ساهم في تأمين التماسك والانسجام داخل نص يتناول قضية تجنيس المسرحية.

وقد استثمر الكاتب وسائل الربط بين الجمل والأفكار؛ كالربط الصريح بالأدوات ( الواو، بل، لأن.. )، والربط بالضمائر (ضمير الغائب المفرد العائد على النص المسرحي، وضمير الغائبة المفردة العائد على السمات ). والربط الضمني / الربط بالاستدلال، عبر معيار التسلسل (استعمال الصيغ الدالة على التدرج: ” أول سمات …” ؛ ” كانت الآنية ثاني خصائص المسرح … ” ؛ ” وبذلك تكون الديمومة ثالثة سمات النص المسرحي.. ”، ومعيار العلاقات (علا قات التطابق ( ديمومة النزعات الإنسانية فرضت على فن التأليف قواعد ثابتة في جميع المذاهب والأشكال…) والتعارض (الحكاية مقصودة بذاتها وبمراميها في المسرحية، عكس الشعر والرواية ). ومن مظاهر الربط الاستدلالي أيضا استهلال الفقرات بالجمل الدالة على التوكيد: ” إن الآنية هي التي تؤدي إلى سرعة التغيرات ” ؛ ” إن سمات … تجعل له ميزة خاصة به ” وتكرار بعض الألفاظ والمفاهيم)، والانتقال من الخاص ( السمات ) إلى العام ( علاقة المسرح بباقي الفنون باعتباره حقلا للتجريب انطلاقا منها وانتهاء إليها)، وإبراز شدة التلازم بين سمات النص المسرحي. ووسائل الربط اللفظي والمعنوي جعلت النص يمتلك من قوة التأثير على المتلقي، ما يدفع إلى الاقتناع بوجهة نظر الناقد. فالنص، إذن، خطاب متجانس الوحدات، فهو ينبني على عدد من العلاقات / الروابط بين الجمل والأفكار والفقرات من خلال جملة من الوسائل اللغوية الشكلية، لهذا نقول إنه حقق وجوده النصي، في بعده التداولي والأسلوبي، من خلال تواتر آليات الاتساق.

التركيب والتقويم

عرض النص بعضا سمات الكتابة الدرامية، كالمعايشة، والآنية، والديمومة، والهدف الأعلى.. وبين محافظة المسرحية على الأصول والثوابت، وابتكارها، في الوقت، نفسه أساليب جديدة في الكتابة الدرامية، وذلك بحسب ما يُستجد في الواقع من قضايا اجتماعية وذوق وسائل التعبير.. ثم إن للإبداع المسرحي شرطا يتمثل في التجريب والوعي التام بجماليات باقي الفنون، التي يرتقي بها يرتقي بها. ومقصدية النص كشف الخلفيات الاجتماعية والجمالية للتأليف المسرحي باعتباره ينطلق من الواقع ويتوجه إلى متلق، ويراهن على أن يكون جُماع الفنون الأدبية والتشكيلية.. ومن ثم فله دور عضوي في الحياة يقوم على التحليل والنقد والارتقاء بالذوق والتعبير، ويحمل في ذاته وسائل التطوير والتغيير، مما جعله، كما يقول الكاتب، حقلا للتجريب بامتياز. وقد استخدم الكاتب للتعبير عن هذه المقصدية لغة تقريرية واصطلاحية قائمة على جهاز مفاهيمي يعكس عمق تصوره النظري، إضافة إلى لغة حجاجية، وأسلوب استدلالي مقنع يعضده تماسك البناء النصي واتساقه وانسجامه؛ وبذلك يتحقق افتراض كون نص وصفيا يستعرض سمات المسرحية الجوهرية وأصولها وثوابتها.

ويعكس النص ثقافة صاحبه المسرحية ومرجعياته المتنوعة، وانفتاحه على قضايا نظرية وأسئلة ترتبط بأشكال الممارسة وآليات الكتابة المسرحية وتأصيلها وربطها بمرجعية الذات والمجتمع وسؤال الجمالية. والسؤال الذي تطرحه قراءتنا للنص هو : العلاقة بين الكتابة والعرض ؛ فالعمل المسرحي يتأطر ضمن مجال الفرجة، وينتمي في الآن ذاته إلى حقل الأدب، من هنا ضرورة البحث عن آليات اشتغاله من خلال رصد سماته وقوانين الكتابة، وتفسير كيفية اشتغال عناصر العرض عبر تحديد مرجعيات الإخراج ومنطلقاته، وحصر أنماطه وأشكاله، وضبط المستويات والميكانيزمات الناظمة لسيرورة العرض والمؤطرة لعناصره ومكوناته داخل الفضاء الحركي، وفي علاقة ذلك بالمتلقي.إن العمل المسرحي لا تكتمل دلالته وأهميته إلا عند تشخيص نصوصه.

والنص يراهن، من جهة أخرى، على المتلقي الواعي الذي يتجاوز حدود التماهي مع العرض ليرتقي إلى مجادلته ومحاورته، وهذا الرهان جاء في سياق نضج التجربة المسرحية على مستوى الكتابة والإنجاز الركحي، وقد تجسدت معالم هذا النضج في: ( تخلص النص من بعده الأحادي وانبنائه من نصوص متعددة، ومتداخلة، ومن متواليات سردية أو حكائية تراعي مفهوم التمسرح الذي حول اللغة الركحية إلى ميتا ـ لغة يستطيع المتلقي أن يزاول عليها فعاليته التأويلية والتفكيكية).

Ads
Ads Ads Ads Ads
Ads